رغم توجّه أغلب الحكومات التونسية المتعاقبة منذ الخامس والعشرين من جويلية 2021 إلى التداين الداخلي والاكتتاب في سندات الخزينة، لا تزال الضغوط المالية كبيرة. وقد تفاقمت هذه الضغوط في ظلّ تعطّل العلاقة مع صندوق النقد الدولي، وضعف الاستثمار، وارتفاع حاجيات الطاقة، وتفاقم تحديات المياه والنقل، ما زاد من صعوبات المؤسسات العمومية وأفضى إلى حالة من الشلل الاقتصادي، لا تخفى تداعياتها الاجتماعية والسياسية.
في هذا الحوار المكتوب الذي أجراه الصحفي الحسين المختار بن عمر لمنصّة «مسارات حضارية»، يقدّم الدكتور عبد الباسط السماري، خبير البنية التحتية، قراءته للوضع التونسي، ويناقش جملة من الخيارات التي يرى أنها قد تنقل البلاد من إدارة الأزمة إلى بناء قدرة اقتصادية جديدة، يكون فيها الاستثمار والإنتاج والبنية التحتية في قلب مشروع الإصلاح.
عندما تنظر اليوم إلى المشهد الاقتصادي والمالي في تونس بكل مؤشراته، ما الذي يقلقك أكثر: حجم الأزمة أم الوقت الذي تخسره البلاد من دون إصلاحات حقيقية؟
الوقت ثم الوقت. فتونس لا تزال تملك دولة ومؤسسات وكفاءات وبنية تحتية، كما تتمتع بموقع جغرافي استثنائي، ولديها مدخرات وأصول عمومية مهمة وجالية قوية في الخارج. لكنها تخسر الوقت. يمكن للاقتصاد أن يتحمل الأخطاء لفترة، لكنه لا يستطيع أن يتحمل سنوات من البطء والتردد وغياب القرار.
يتكرر الحديث عن اقتراب تونس من الإفلاس. أنت ترفض هذا التوصيف؛ فما الفرق بين دولة تعاني أزمة سيولة ومديونية ودولة مفلسة فعلًا؟ وأين تقف تونس اليوم؟
لا أحب استعمال عبارة «الإفلاس»، لأنها تختزل وضعًا أكثر تعقيدًا. المشكلة ليست في أن تونس لا تملك شيئًا، وإنما في أنها تدير ما تملكه بكفاءة ضعيفة جدًا.
لدينا دين عمومي مرتفع، وعجز مزمن في الميزانية، وعجز تجاري هيكلي، واستثمار غير كافٍ، ومؤسسات عمومية مثقلة بالديون المتقاطعة، إلى جانب كتلة مالية كبيرة متداولة خارج الدورة البنكية.
وفي المقابل، تمتلك الدولة عقارات وأصولًا ومؤسسات وشركات وحقوقًا مالية، لكننا لا نملك إلى اليوم، في تقديري، ميزانية وطنية حديثة وشاملة تسمح بتقييم هذه الأصول والالتزامات بصورة دقيقة.
لذلك، قبل أن نسأل: من سيقرضنا؟ يجب أن نسأل: ماذا نملك؟ ماذا ندين؟ ماذا لنا لدى الآخرين؟ وما الذي يمكن إصلاحه من دون دينار واحد من الاقتراض الجديد؟
تقول إن المشكلة ليست في أن تونس لا تملك، بل في كيفية إدارة ما تملكه. وفي هذا السياق، كيف تنظر إلى الاقتراض؟ ومتى يتحول الدين إلى عبء، ومتى يمكن أن يكون أداة لبناء قدرة اقتصادية جديدة؟
أنا ضد الاقتراض عندما يتحول إلى وسيلة لتمويل العجز الدائم والاستهلاك وتأجيل الإصلاح. أما الاقتراض الذي يمول إنشاء محطة طاقة، أو شبكة مياه، أو ميناء، أو سكك حديدية، أو منطقة لوجستية، أو قدرة صناعية تصديرية، فذلك موضوع مختلف.
هناك فرق جوهري بين ما أسميه: «دين البقاء» و«دين التحول». أن نستدين كل سنة لدفع ثمن الطاقة التي كان بإمكاننا إنتاج جزء متزايد منها داخل تونس، فهذا استنزاف.
أما أن نعبّئ التمويل لبناء أصول تخفض الواردات وترفع الإنتاج والصادرات، فهذا استثمار في القدرة الاقتصادية وفي السيادة.
منذ 25 جويلية 2021 اتجهت الحكومات المتعاقبة بدرجة أكبر إلى الاقتراض الداخلي والاكتتاب في سندات الخزينة. إلى أي مدى يمكن مواصلة هذا الخيار؟ وما البدائل التي يمكن أن توفر للدولة هوامش مالية قبل اللجوء إلى ضرائب أو قروض جديدة؟
قبل فرض ضريبة جديدة، وقبل البحث عن قرض جديد، أبدأ بالمقاصة الشاملة للديون المتقاطعة. نبدأ بأكبر المؤسسات تأثيرًا: الشركة التونسية للكهرباء والغاز، والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، وقطاع الفسفاط، والمؤسسات الكيميائية، وديوان الحبوب، والصيدلية المركزية، والخطوط التونسية، والسكك الحديدية، والطرقات السيارة وغيرها.
تصرّح كل مؤسسة بصورة دقيقة بما لها لدى الدولة والمؤسسات العمومية الأخرى، وما عليها تجاهها. بعد ذلك، تتم مقاصة أولية، ثم تدقيق صارم، ثم إعادة هيكلة حيث تكون ضرورية. وبالتوازي، يمكن إنشاء شركة عمومية قابضة، مستقلة ومهنية، لإدارة محفظة الدولة في إطار رقابة قانونية ومالية ومؤسساتية واضحة. فلا معنى لإعادة رسملة مؤسسة قبل أن نعرف ميزانيتها الاقتصادية الحقيقية.
وماذا عن دور البنك المركزي؟ هل يمكن أن يساهم في تمويل الاقتصاد والاستثمار من دون أن يتحول تمويله للدولة إلى مصدر جديد للتضخم والاختلالات النقدية؟
البنك المركزي ليس صندوقًا سحريًا، وطباعة النقود ليست نموًا. لكنني أرفض أيضًا تحويل الاستقلالية النقدية إلى عقيدة تمنع الدولة من استعمال أدواتها عندما يكون التمويل محددًا ومنتجًا وقابلًا للقياس.
يمكن التفكير في تمويل مضبوط بالدينار لمشروعات تخلق أصولًا حقيقية: الطاقة المتجددة، والمياه، والتخزين، أو بنية أساسية ذات مكوّن محلي مرتفع.
لكن تمويل البنك المركزي للأجور والدعم والعجز الجاري بصورة متكررة مسألة مختلفة تمامًا، ومخاطرها التضخمية والنقدية واضحة.
تعتبر أن الطاقة أصبحت «ثقبًا في السيادة الاقتصادية». لماذا تضع الملف الطاقي في صدارة أولويات الإصلاح؟
لأن الطاقة أصبحت ثقبًا في السيادة الاقتصادية. إلى نهاية أوت 2026، بلغ العجز التجاري قرابة 17.9 مليار دينار، منها حوالي 8.9 مليارات دينار عجزًا طاقيًا.
يمكننا مناقشة عشرات الإصلاحات، لكن ما دمنا نستورد بهذا الحجم لتشغيل اقتصادنا، فسنظل نضغط على الميزان التجاري، وعلى العملة، وعلى المالية العمومية.
لذلك أقول إن السقف العمومي غير المستغل، ومواقف السيارات، والطرقات السيارة، والمنشآت العمومية، كلها يمكن أن تتحول إلى مواقع لإنتاج الطاقة. ومشروع «المواطن الطاقي» ليس ترفًا بيئيًا، بل مشروع اقتصادي وسيادي.
كثيرًا ما يقال إن تونس تحتاج إلى الاستثمار، لكن المستثمر يحتاج بدوره إلى إدارة سريعة، وقانون مستقر، وبنية تحتية فعالة. ما الذي يعطل الاستثمار فعليًا اليوم؟
الاستثمار هو أقصر طريق إلى النمو والتشغيل، ومن ثم إلى خفض عبء الدين. لا يمكنك معالجة المديونية بخنق الاستثمار. ولا يمكنك مطالبة المستثمر بالمجيء إلى تونس، ثم إخضاعه لمسار إداري يجعل الاستثمار نفسه مخاطرة.
الدولة القوية ليست الدولة التي تتدخل في كل شيء، بل الدولة التي تقرر بسرعة، وتطبّق القانون بالتساوي، وتوفر البنية الأساسية، وتحاسب على النتائج.
يجب أن يكون هدفنا رفع مستوى الاستثمار بصورة جدية، وصولًا تدريجيًا إلى مستوى يقارب 20% من الناتج وما فوق، بدل إدارة الندرة إلى ما لا نهاية.
لكن المواطن لا يعيش بأرقام الناتج المحلي والاستثمار وحدها. هل يمكن إصلاح منظومة الدعم والمالية العمومية من دون تحميل الفئات الضعيفة والطبقة الوسطى كلفة الإصلاح؟
هنا يقع خطأ كبير في النقاش. السياسة الاجتماعية ليست توزيع الفقر بالتساوي. السياسة الاجتماعية الحقيقية هي حماية الضعيف من دون تدمير آلية الإنتاج.
لذلك أدافع عن الانتقال التدريجي من دعم الأسعار للجميع إلى دعم مباشر وشفاف للمواطنين والأسر المستحقة، وللمنتجين عند الحاجة.
لماذا يستفيد الغني والفقير من دعم السلعة نفسها بالمقدار نفسه؟ ساعد المواطن مباشرة، ثم دع الأسعار تعكس التكلفة بصورة تدريجية، مع حماية القدرة الشرائية. وبالتوازي، يجب العمل على رفع الإنتاجية والأجور الحقيقية والتشغيل.
لكن التضخم بالنسبة إلى المواطن ليس مجرد رقم إحصائي، بل ما يدفعه يوميًا للغذاء والنقل والسكن. هل يكفي بلوغ التضخم 5.4% في أوت للقول إن الوضع الاجتماعي شهد تحسنًا نسبيًا؟
الرقم المتوسط لا يعيش في منزل المواطن. التضخم العام بلغ 5.4%، لكن أسعار الغذاء ارتفعت بوتيرة أعلى. لذلك أسأل دائمًا: تضخم مَن؟
سلة أسرة محدودة الدخل، يذهب معظم دخلها إلى الغذاء والنقل والسكن، ليست هي سلة الأسرة الميسورة نفسها.
العدالة الاجتماعية تبدأ أيضًا بإنتاج مؤشرات أدق تساعدنا على معرفة من يتحمل التضخم فعليًا.
تحدثت عن كتلة مالية كبيرة متداولة خارج القطاع البنكي. لماذا بقي جزء مهم من التونسيين خارج المنظومة البنكية؟ وكيف يمكن إدماج هذه الأموال في الاقتصاد؟ وهل يمكن للبريد التونسي أن يلعب دورًا أكبر في ذلك؟
هذه إحدى أكبر الفرص الضائعة. لا أريد إجبار المواطن على دخول البنك بالقوة، بل أريد جعل دخوله إلى الاقتصاد الرقمي أسهل وأرخص من استعمال النقد.
الهاتف الذكي يمكن أن يصبح وسيلة دفع. والتاجر الصغير لا يحتاج بالضرورة إلى تجهيزات مكلفة. كما يجب أن تصبح التحويلات الصغيرة والمدفوعات اليومية شبه مجانية، أو مجانية، ضمن منظومة وطنية منخفضة التكلفة. ثم يأتي دور البريد. لدينا شبكة بريدية وطنية واسعة، وأصول عقارية، وثقة اجتماعية، وانتشار جغرافي كبير. لماذا لا نبني حولها قوة وطنية للادخار والاستثمار والتمويل الرقمي؟
هل يمكن أصلًا تنفيذ إصلاح اقتصادي عميق في ظل أزمة سياسية ومؤسساتية، أم أن الاقتصاد والسياسة أصبحا اليوم ملفًا واحدًا لا يمكن الفصل بينهما؟
إطلاقًا. المؤسسات نفسها بنية تحتية اقتصادية.
المستثمر يحتاج إلى قاضٍ مستقل بقدر حاجته إلى الطريق، والمؤسسة تحتاج إلى قانون مستقر بقدر حاجتها إلى الكهرباء، والبنك يحتاج إلى معلومة موثوقة، والمواطن يحتاج إلى الثقة.
عندما تضعف دولة القانون، لا نخسر فقط حقوقًا سياسية، بل نخسر أيضًا استثمارًا ورأس مال وثقة ووقتًا.
عندما تدعو إلى تقليص البيروقراطية وتحرير المبادرة، قد يفهم البعض ذلك باعتباره دعوة إلى إضعاف الدولة. فما معنى «الدولة القوية» بالنسبة إليك: دولة تتوسع في السلطة والرقابة، أم دولة قوية بمؤسساتها وقانونها وفعاليتها؟
العكس تمامًا. أريد دولة قوية لأنها فعالة، لا لأنها تخيف مواطنيها. دولة تحمي الأمن والحدود والملك العام، وتطبق القانون، وتحمي الحريات، وتحاسب على الفساد، وتنجز المشروع في موعده.
هيبة الدولة لا تقاس بعدد الأشخاص الذين تستطيع سجنهم. بل تُقاس بقدرتها على جعل القانون محترمًا من الوزير كما من المواطن، ومن المؤسسة العمومية كما من الشركة الخاصة.
وكيف يمكن للدولة أن تكون حازمة في تطبيق القانون وحماية الأمن والمصلحة العامة، وفي الوقت نفسه تحافظ على الحريات؟ وماذا عن السياسيين والصحفيين والنشطاء الموجودين في السجون؟
القضاء هو الذي يفصل في المسؤوليات الفردية، ولا ينبغي استبداله بخطاب سياسي من أي طرف. لكن موقفي المبدئي واضح: الإيقاف والسجن يجب أن يكونا ضرورة قانونية، لا أداة سياسية، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
وأدعو إلى مراجعة جدية لحالات الإيقاف، خصوصًا عندما لا تتعلق الملفات بعنف مثبت أو جرائم جسيمة ضد أمن البلاد. وهناك بدائل قانونية عندما تقتضيها حماية سير القضاء، مثل الرقابة القضائية، وتحديد الإقامة، أو السوار الإلكتروني.
الدولة لا تصبح أضعف عندما تحترم الحرية والقانون، بل تصبح أقوى.
مشكلات تونس تراكمت عبر عقود، لكن ذلك يطرح أيضًا مسؤولية من يدير البلاد اليوم. أين تنتهي مسؤولية التراكمات السابقة، وأين تبدأ مسؤولية السلطة الحالية؟
لا تتحمل السلطة الحالية وحدها المسؤولية. فمشكلات تونس تراكمت عبر عقود: إدارة ثقيلة، ومؤسسات عمومية لم تُصلح، ومنظومة دعم غير مستدامة، ومركزية مفرطة، وبنية نقل أهملت الداخل، وتبعية طاقية، واقتصاد غير مندمج، وضعف مزمن في الاستثمار.
لكن هذه الحقيقة لا تعفي من يحكم اليوم. كل سلطة تُحاسب على ما ورثته، وما أصلحته، وما أضافته من أخطاء. ولا يمكن أن تتحول أخطاء الماضي إلى رخصة مفتوحة لعدم الإصلاح في الحاضر.
تقول إن الشفافية جزء من الإصلاح الاقتصادي وليست مجرد مطلب سياسي. ما الذي يجب أن يعرفه المواطن عن ديون الدولة والتزاماتها ومؤسساتها العمومية حتى تكون هناك مساءلة حقيقية؟
لأن الأرقام ليست ملك الحكومة. هذه ليست أسرار دولة، بل حسابات دولة.
تنفيذ الميزانية، وديون المؤسسات العمومية، والضمانات، والمتخلدات، وممتلكات الدولة، والمشاريع المتعثرة، وكلفة الدعم، والالتزامات المستقبلية؛ كلها تتعلق بأموال المواطن.
ومن غير المقبول أن تطالب الدولة الشركة الخاصة بإيداع حساباتها واحترام آجالها، ثم تتسامح مع مؤسسات عمومية لا تقدم حساباتها بالصرامة نفسها.
دولة القانون تبدأ عندما تخضع الدولة نفسها للقانون.
هل تحتاج تونس إلى دولة أصغر وأقل تدخلًا، أم إلى دولة أكثر قدرة وفعالية ولكن بطريقة مختلفة؟ وكيف تتصور شكل الحكومة والإدارة القادرتين على تنفيذ الإصلاح؟
أرى الحاجة إلى حكومة أزمة صغيرة وقوية ومتناغمة، بعدد محدود جدًا من الوزراء، وإدارة تنفيذية محترفة خلفها. نحتاج كذلك إلى رقمنة شاملة، وإلى أهداف سنوية قابلة للقياس لكل وزارة ومؤسسة.
والمبدأ بالنسبة إليّ هو: صفر ميزانية تلقائية.
لا ينبغي أن تحصل مؤسسة على المال العام فقط لأنها حصلت عليه في السنة الماضية. كل دينار من المال العام يجب أن يقابله هدف ومؤشر ونتيجة ومساءلة.
مفهوم «السيادة الاقتصادية» حاضر بقوة في الخطاب العام. ما معناها عمليًا بالنسبة إليك؟ ومتى تكون السيادة قدرة حقيقية على اتخاذ القرار؟
السيادة ليست خطابًا ضد الخارج. السيادة هي أن تستطيع تونس اختيار قرارها. أن تتعاون مع الجزائر من دون أن تعتمد عليها بالكامل، وأن تتعامل مع أوروبا من دون أن تختزل اقتصادها فيها، وأن تنفتح على أفريقيا والخليج وآسيا والأمريكيتين.
السيادة هي أيضًا أن تنتج تونس جزءًا متزايدًا من طاقتها وغذائها، وأن تؤمّن مياهها، وأن تمتلك موانئ وقطارات وطرقًا تربط مناطق الإنتاج بالأسواق. السيادة الحديثة ليست العزلة. السيادة هي القدرة على التفاوض لأن لديك بدائل.
لو طُلب منك اليوم وضع برنامج إنقاذ اقتصادي قابل للتنفيذ، لا قائمة أمنيات، فما المبادئ التي ينبغي أن تنطلق منها تونس؟
أقول: الحقيقة قبل الدعاية. المقاصة قبل الاقتراض. الاستثمار قبل الاستهلاك. الإنتاج قبل التوريد. الدعم المباشر قبل دعم الأسعار. الرقمنة قبل البيروقراطية.
الطاقة والماء قبل المشاريع الاستعراضية. الكفاءة قبل تضخم الإدارة. الحرية مع القانون. والقانون على الجميع.
تتحدث أيضًا عن «تونس 350» و«تونس 2040». ما الذي يجب أن يتغير منذ الآن حتى لا يبقيا مجرد تصورين بعيدَي المدى؟
ليستا شعارين لناتج محلي أكبر. الرقم نتيجة. ما أريده هو تونس تنتج أكثر، وتستثمر أكثر، وتصدّر أكثر، وتقلّص تبعيتها الطاقية، وتربط شمالها بجنوبها وشرقها بغربها، وتستثمر في الإنسان والبحث والتكنولوجيا.
أريد دولة تتحول من موزع للتراخيص والإعانات إلى آلة جماعية لصناعة القدرة الاقتصادية. عندها يمكن الحديث بجدية عن تونس 350 ثم تونس 2040.
في النهاية، وبعد كل ما وصفته من اختلالات، هل أنت متفائل بقدرة تونس على تجاوز الأزمة؟
أنا لا أطلب التفاؤل ولا التشاؤم. أطلب الحساب، فتونس تملك الكثير مما تحتاج إليه للانطلاق. لكن أخطر شيء يمكن أن نفعله اليوم هو أن نستمر في إدارة أزمة استثنائية بالسرعة نفسها، والهياكل نفسها، والأفكار نفسها التي ساهمت في صنعها.
لسنا في حاجة إلى معجزة. نحتاج إلى دولة تقول الحقيقة، وتحترم القانون، وتحرر المبادرة، وتحمي الضعيف، وتستثمر في الإنتاج، وتحاسب نفسها قبل أن تحاسب مواطنيها. لا إقصاء.لا خوف. ولا مساس بهيبة الدولة وسيادة القانون. لكن أيضًا: لا حصانة للفشل. لا مال عام بلا حساب. لا اقتراض بلا إنتاج. ولا سيادة بلا اقتصاد قادر على الوقوف على قدميه.


