مسارات - هيئة التحرير
حذّرت جمعية القضاة التونسيين، في بيان صادر اليوم الأربعاء 2 سبتمبر 2026، من تواصل ما وصفته بسياسة استهداف القضاة بقرارات الإيقاف عن العمل والحرمان من الأجور، معتبرة أن هذه الإجراءات تمثل «عزلًا مقنّعًا لتقويض ما تبقّى من نفس استقلالي في القضاء التونسي».
وقالت الجمعية إن تواتر قرارات الإيقاف عن العمل يؤدي إلى إقصاء القضاة من ممارسة وظائفهم وتعطيل مساراتهم المهنية، ويضعهم في أوضاع مهنية ومالية تمسّ مباشرة بأمنهم الوظيفي واستقلالهم، بما ينعكس، وفق البيان، على استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة وحق المتقاضين في قضاء مستقل ومحايد.
وتطرّق البيان إلى وضع القاضي محمد بن مفتاح، عضو المكتب التنفيذي للجمعية، الذي قالت إنه أُبلغ شفاهيًا في أوت 2026 بقرار إيقافه عن العمل وحرمانه من الأجر دون تحديد سقف زمني للقرار أو تمكينه من أثر كتابي منه.
وبحسب الجمعية، سبق نقل بن مفتاح سنة 2024 من محكمة التعقيب إلى محكمة الاستئناف بباجة، ثم إلى محكمة الاستئناف بقفصة في جانفي 2026، مباشرة إثر ترشحه لعضوية المكتب التنفيذي للجمعية، وهو ما اعتبرته «استهدافًا مباشرًا لقاض مستقل يدافع عن استقلال القضاء» واستهدافًا لنشاط الجمعية نفسها.
قرارات «سرّية» ودون سقف زمني
وندّدت الجمعية بما وصفته بقرارات إيقاف «سرية ومجحفة ومختلة شكلًا وتأسيسًا»، مشيرة إلى أن بعض القضاة يقع إعلامهم بها شفاهيًا ودون تسليمهم نسخًا مكتوبة، بما يحرمهم، وفق البيان، من الاطلاع على مضمون القرارات والطعن فيها.
ورأت أن غياب سقف زمني للإيقاف، في الحالات التي لا توجد فيها تتبعات جزائية ضد القضاة المعنيين، يجعل آثار هذه القرارات مستمرة ويحوّلها فعليًا إلى «عزل مقنّع».
وزيرة العدل لا تملك سندًا قانونيًا للإيقاف
واعتبرت جمعية القضاة أن القرارات الصادرة عن وزيرة العدل بإيقاف القضاة عن العمل «باطلة لانعدام السند القانوني»، مستندة في ذلك إلى أن الفصل 54 من القانون عدد 29 لسنة 1967، الذي كان يتيح لوزير العدل إيقاف القضاة في بعض الحالات، أُلغي بموجب القانون عدد 34 لسنة 2016 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء.
وأضافت أن المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، وكذلك دستور 2022، لم يُسندا لوزير العدل، بحسب قراءة الجمعية، صلاحية إيقاف القضاة عن العمل.
تحذير من «ترهيب القضاة و إخضاعهم»
حذرت الجمعية من أن الفراغ المؤسسي الناتج عن حل المجلس الأعلى للقضاء وتعطّل المجلس الأعلى المؤقت للقضاء أتاح، وفق موقفها، للسلطة التنفيذية مجالًا أكبر للتدخل في المسارات المهنية و التأديبية للقضاة.
وقالت إن استمرار هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى «مزيد ترهيب القضاة ومزيد إخضاعهم إلى توجيهات السلطة فيما يعرض على المحاكم من قضايا»، معتبرة أن ذلك يشكل «تهديدًا خطيرًا ومستمرًا للحقوق والحريات ولمقوّمات دولة القانون».
مطالبة بالإلغاء الفوري وعودة المجلس الأعلى للقضاء
وطالبت الجمعية بـ**«الإلغاء الفوري لقرارات إيقاف القضاة عن العمل»** وإرجاع القضاة المعنيين إلى ممارسة وظائفهم ورفع الحرمان من أجورهم، إلى جانب ضمان حقهم في الدفاع والاطلاع على ملفاتهم ومراجعة القرارات أمام جهة مستقلة.
كما طالبت السلطة التنفيذية بـ«الكفّ فوريا عن وضع اليد على القضاء وارتهانه وضرب استقلاليته»، وعدم استخدام الإيقاف عن العمل والحرمان من الأجر كوسيلة للضغط أو العقاب قبل ثبوت المسؤولية.
وجدّدت الجمعية دعوتها إلى عودة المجلس الأعلى للقضاء إلى نشاطه، وخاصة مجلس القضاء العدلي، وتركيز المحكمة الدستورية، وإرساء مجلس أعلى للقضاء مستقل ومنتخب يتولى وحده إدارة المسارات المهنية و التأديبية للقضاة بعيدًا عن السلطة التنفيذية.
وفي ختام بيانها، عبّرت الجمعية عن تضامنها مع القضاة المشمولين بقرارات الإيقاف، ودعتهم إلى ممارسة حقهم في الطعن أمام القضاء الإداري، كما دعت عموم القضاة إلى التمسك باستقلال قراراتهم القضائية «رغم الضغوط والتضحيات».
ويُذكر أن رئيس جمعية القضاة التونسيين، القاضي أنس الحمايدي، صدر في حقه حكم ابتدائي غيابي بالسجن لمدة عام مع النفاذ العاجل، في قضية كانت الجمعية قد اعتبرتها محاكمة لا تتوفر فيها ضمانات المحاكمة العادلة، وربطت بينها وبين ما تصفه باستهداف الجمعية وأعضائها بسبب مواقفهم المدافعة عن استقلال القضاء.


