🎙آخر الأخبار
إعلان
حوارات

من أزمة القارورة إلى أعطاب الاقتصاد.. د. عبد الباسط السماري لـ«مسارات»: لا إصلاح اقتصاديًا دون إصلاح سياسي

21 أوت 2026

من أزمة القارورة إلى أعطاب الاقتصاد.. د. عبد الباسط السماري لـ«مسارات»: لا إصلاح اقتصاديًا دون إصلاح سياسي

تستضيف «مسارات» في هذا الحوار الخاص خبير البنية التحتية الدكتور عبد الباسط السماري، للانطلاق من أزمة الماء نحو أعطاب أوسع في الطاقة والفوسفاط والدواء والصناعة والقدرة الشرائية، وصولًا إلى سؤال العلاقة بين الأزمة الاقتصادية والمناخ السياسي. وفي هذا السياق، يناقش السماري رؤيته للحاجة إلى الثقة والاستقرار والحريات، ويعود إلى رسالته التي وجّهها إلى الرئيس قيس سعيّد داعيًا إلى فتح صفحة جديدة وإطلاق الحريات ومعالجة ملف السجناء السياسيين بروح مختلفة.


مسارات: لنبدأ من الأزمة التي عاشها التونسيون خلال الأسابيع الأخيرة. كيف يمكن لبلد يضم عشرات وحدات تعبئة المياه أن يجد مواطنوه صعوبة في العثور على قارورة ماء؟

د. عبد الباسط السماري: الأزمة الحقيقية ليست أن تونس لا تمتلك الماء المعلب. لدينا 31 وحدة تعبئة، وطاقة تصل إلى نحو 520 ألف قارورة في الساعة، واستهلاك يبلغ مليارات اللترات سنويًا. وليست المشكلة أيضًا أن الصوناد توقفت عن توفير الماء: فهي تدير شبكة بعشرات آلاف الكيلومترات ومئات ملايين الأمتار المكعبة سنويًا.

السؤال الأخطر هو: كيف وصلنا إلى وضع أصبح فيه اضطراب سوق القوارير مصدر قلق وطني؟ الجواب في رأيي أن المياه المعلبة لم تعد مجرد سوق للمياه المعدنية. لقد أصبحت بالنسبة إلى شريحة من السكان شبكة أمان موازية لمياه الشرب.

مسارات: هناك من يفسر الأزمة بالاحتكار أو المضاربة. هل تكفي هذه التفسيرات لفهم ما حدث؟

د. عبد الباسط السماري: ليس صحيحًا أن كل أزمة في المياه المعلبة تعني بالضرورة وجود «احتكار» من المنتجين. فقد يكون الإنتاج موجودًا، بينما يحدث الاختناق في النقل أو المخزون أو التوزيع أو البيع بالتفصيل. كما أن الحديث عن تضاعف الأسعار يجب ألا يعمم على كامل البلاد دون أرقام دقيقة؛ فقد تحصل تجاوزات كبيرة في مناطق أو نقاط بيع معينة دون أن يعني ذلك أن السعر الوطني تضاعف. التحقيق الحقيقي يجب أن يبحث عن عنق الزجاجة بدل الاكتفاء بملاحقة آخر حلقة في السلسلة، أي البقال أو المساحة التجارية.

مسارات: لكن لماذا أصبحت قارورة الماء بهذه الأهمية أصلًا؟ أليس ماء الصوناد هو المصدر الأساسي للمياه بالنسبة إلى التونسيين؟

د.عبد الباسط السماري: أولًا يجب أن نبدأ بتصحيح أساسي: ماء الصوناد ليس هو ماء القوارير.

الصوناد توفر ماءً صالحًا للشرب عبر مرفق عمومي، لكنه يُستخدم للشرب والطبخ والاستحمام والتنظيف والغسيل وبقية الاستعمالات المنزلية والخدماتية والصناعية. أما المياه المعلبة فهي منتج غذائي تجاري يذهب الجزء الأكبر منه مباشرة إلى الاستهلاك البشري، وخاصة الشرب.

لذلك فإن مقارنة 2 أو 3 مليارات لتر من المياه المعلبة بمئات مليارات اللترات التي تضخها الصوناد قد تكون مضللة إذا لم نأخذ اختلاف الاستعمال بعين الاعتبار. السؤال الصحيح ليس: كم تمثل المياه المعلبة من مجموع مياه الصوناد؟ بل: كم أصبحت تمثل من الماء الذي يشربه المواطن فعليًا؟

وهذه مسألة مختلفة تمامًا.

مسارات: هل يعني ذلك أن المياه المعلبة تحولت تدريجيًا من منتج اختياري إلى بديل عن المرفق العمومي؟

د. عبد الباسط السماري: عندما تتراجع موثوقية مياه الحنفية بسبب الانقطاعات أو ضعف الضغط أو الملوحة في بعض المناطق، لا يتوقف المواطن عن الشرب؛ بل ينتقل إلى المياه المعلبة. وهنا تحدث المفارقة: كلما ضعفت الخدمة العمومية، توسعت السوق الخاصة التي تعوضها. فتصبح قارورة الماء، التي يفترض أن تكون منتجًا اختياريًا، ضرورة يومية لعدد متزايد من الأسر.

إذا كان المواطن يشتري عشرات أو مئات اللترات شهريًا لأنه لا يثق في الخدمة العمومية أو لأنها غير منتظمة، فإننا نكون أمام خصخصة واقعية وغير معلنة لجزء من الحق في الماء.

مسارات: وهذا يعني أيضًا كلفة اجتماعية إضافية على المواطن؟

د. عبد الباسط السماري: بالتأكيد. إذا اختار المواطن المياه المعدنية لمذاقها أو علامتها التجارية، فهذا اختيار استهلاكي. أما عندما يشتريها لأن ماء الحنفية منقطع، أو لأنه فقد الثقة في انتظامه أو جودته في منطقته، فالوضع مختلف جذريًا. المواطن يدفع عندئذ مرتين: يدفع مقابل المرفق العمومي من خلال فاتورته ومن خلال الدولة التي تموله وتستثمر فيه، ثم يدفع مرة ثانية للحصول على الماء الذي يطمئن إلى شربه. وهنا تتحول القارورة من سلعة اختيارية إلى بديل قسري جزئي للمرفق العمومي.

مسارات: لكن تونس تعاني أصلًا شحًا مائيًا وتغيرات مناخية متسارعة. إلى أي حد يمكن تحميل السياسات العمومية مسؤولية الأزمة؟

د.عبد الباسط السماري: تونس بلد يعاني أصلًا من ندرة مائية هيكلية، مع موارد متاحة للفرد تقل منذ سنوات عن عتبة الندرة الشديدة. لكن المناخ وحده لا يفسر الأزمة. الجفاف لا يكسر الأنابيب. والتغير المناخي لا يؤجل الصيانة. وارتفاع الحرارة لا يعوض سنوات ضعف الاستثمار. جزء مهم من المشكلة مائي طبيعي، لكن جزءًا آخر إداري واستثماري ومتعلق بالحوكمة.

مسارات: ما الذي تقوله أرقام الصوناد عن حالة الشبكة؟

د.عبد الباسط السماري: في 2023 أنتجت الصوناد 773.3 مليون متر مكعب من الماء، لكن الحجم الذي وصل إلى مرحلة الاستهلاك بلغ 516 مليون متر مكعب فقط. كما بلغ مردود شبكة الجلب 86.8% ومردود شبكة التوزيع 77.7%. شبكة التوزيع وحدها يبلغ طولها حوالي 48,241 كيلومترًا، وتضم 1,412 خزانًا.

والأكثر دلالة أن الصوناد سجلت خلال سنة واحدة حوالي 22,191 كسرًا و209,090 تسربات. هذه الأرقام تجعل الحديث عن تجديد الشبكة وتقليص التسربات مسألة مركزية، وليس تفصيلًا تقنيًا.

مسارات: في المقابل، هل من الإنصاف أن نربط اللجوء إلى المياه المعلبة بالقول إن ماء الصوناد غير صالح للشرب؟

د.عبد الباسط السماري: يجب إنصاف الصوناد في مسألة الجودة. تراجع الثقة لدى بعض المواطنين لا يعني علميًا أن مياه الصوناد غير صالحة للشرب في عموم البلاد. ففي 2023 أخذت الصوناد 57,504 عينة للتحليل البكتريولوجي، وبلغت نسبة العينات المطابقة 97.9%. وهذه نقطة ينبغي ذكرها حفاظًا على موضوعية الحوار.

إذن هناك ثلاثة مفاهيم يجب عدم الخلط بينها: جودة الماء عند المراقبة، واستمرارية التزويد، وثقة المستهلك. قد يكون الماء مطابقًا صحيًا، لكن تكرر الانقطاعات أو تغير المذاق أو الملوحة في بعض المناطق أو انخفاض الضغط قد يدفع الأسرة مع ذلك إلى شراء المياه المعبأة.

مسارات: إذن ما الحل؟ المزيد من مصانع المياه المعلبة أم العودة إلى «ماء الحنفية أولًا»؟

د.عبد الباسط السماري: الحل ليس مهاجمة شركات المياه المعلبة، ولا منع الاستيراد عند الضرورة، ولا الاكتفاء بحملات ضد المضاربة. الحل يبدأ من إعادة ترتيب الأولويات الوطنية: ماء الحنفية أولًا. تجديد الشبكات وتقليص التسربات، حماية الموائد المائية، تسريع التحلية حيث تكون مجدية، إعادة استعمال المياه المعالجة في الفلاحة والصناعة، وتحسين جودة واستمرارية خدمة الصوناد.

ثم يأتي بعد ذلك دور السوق الخاصة باعتبارها مكمّلة للخدمة العمومية، لا بديلًا عنها. أما أن يصبح المواطن ينتظر قارورة ماء تونسية أو جزائرية أو مستوردة حتى يشعر بالأمان المائي، فذلك ليس نموذجًا اقتصاديًا مستدامًا. إنها إشارة إنذار.

مسارات: عندما نستمع إلى تشخيصك أزمة الماء، نجد مفردات تتكرر في ملفات أخرى: ضعف الاستثمار، الاختناق المالي، البنية التحتية والحوكمة. هل نحن أمام أزمة ماء فعلًا أم نموذج مصغر لأزمة أوسع؟

د. عبد الباسط السماري: الأزمة الاقتصادية التونسية لا يمكن اختزالها في نقص التمويل أو ارتفاع المديونية. المشكلة الأعمق هي تراكم قرارات متفرقة دون رؤية اقتصادية تربط بينها. لا يمكن أن نطالب المؤسسات العمومية بالنجاعة ثم نترك ديون الدولة تجاهها تتراكم. ولا يمكن أن نريد كهرباء ودواءً وماءً متوفرًا، بينما المؤسسات المكلفة بتأمينها تعاني اختناقًا ماليًا. ولا يمكن أن ندعو إلى الاستثمار ثم نثقل المستثمر بالتراخيص والإجراءات وعدم استقرار القوانين. ولا يمكن أن نرفع الضغط على الاقتصاد المنظم، بينما يبقى جزء مهم من الاقتصاد الموازي خارج الدورة الجبائية.

مسارات: كتبت أن الدولة مطالبة بأن تعطي المثال قبل أن تطلبه من المواطن. أين ترى الخلل؟

د.عبد الباسط السماري:  من المحزن، بل من المستفز أحيانًا، أن نسمع الدولة تطالب المواطن بالانضباط، وترشيد الاستهلاك، والمحافظة على الماء والطاقة، واحترام المرفق العام، بينما لا تبدو مؤسساتها دائمًا قادرة على تقديم أبسط شروط القدوة: رقم واضح، هدف واضح، رزنامة واضحة، ومسؤولية واضحة عند عدم الإنجاز. لسنا أمام حادثة معزولة. عندما تتكرر الأهداف والتواريخ والأرقام المتضاربة في ملفات الطاقة والماء والفوسفاط والدواء، يصبح الأمر ظاهرة تستحق الوقوف عندها، لأننا نتحدث عن أربعة ملفات تمس مباشرة الأمن الطاقي والمائي والصناعي والصحي للبلاد.

مسارات: هل المشكلة إذن في نقص الكفاءات داخل الدولة؟

د.عبد الباسط السماري:تونس لا ينقصها المهندسون ولا الأطباء ولا الاقتصاديون ولا المختصون.ما ينقصنا هو أن تتحول الدولة من دولة الإعلان عن النوايا إلى دولة قياس النتائج والمحاسبة عليها. في الطاقة والماء والفوسفاط والدواء، يجب أن توجد لوحة قيادة وطنية واحدة، علنية ومُحينة دوريًا، تتضمن: الوضع الحالي، الهدف، الإنجاز، نسبة التأخير، سبب التأخير، المسؤول، التاريخ المحيّن. وعندما يتغير هدف أو تاريخ، لا بأس. لكن يجب أن يقال للمواطن بوضوح: غيّرناه، وهذا هو السبب. هذه ليست إهانة للدولة ولا انتقاصًا من هيبتها. بالعكس، هذه هي هيبة الدولة.

مسارات: لنأخذ الفسفاط مثالًا. ما الذي يثير تحفظك في الأهداف المعلنة؟

د. عبد الباسط السماري: تُعلن الدولة هدف الوصول إلى 14 مليون طن سنويًا في أفق 2030، بينما بلغ إنتاج 2024 قرابة 3 ملايين طن.

أتمنى شخصيًا أن نتجاوز حتى 14 مليونًا. لكن التمني ليس تخطيطًا. إذا كنا سننتقل من ثلاثة إلى أربعة عشر مليون طن، فمن حق التونسي أن يرى الطريق بالأرقام: 2026: كم؟ 2027: كم؟ 2028: كم؟ 2029: كم؟ 2030: كم؟

وأين ستُغسل هذه الكميات؟ وكيف ستُنقل؟ وهل السكك الحديدية جاهزة؟ وهل المجمع الكيميائي قادر على تحويلها؟ وهل المياه الصناعية متوفرة؟ وأين وصلت المشاريع الجديدة؟ الفسفاط ليس رقمًا نستعمله في خطاب. إنه منظومة صناعية كاملة تبدأ من المنجم وتنتهي بالأسمدة والتصدير والعملات الأجنبية.

مسارات: وسط هذه الصورة، جاءت أرقام الإنتاج الصناعي للنصف الأول من 2026 بنمو يناهز 2.9%. هل ترى فيها بداية خروج من الأزمة؟

د. عبد الباسط السماري: لا ينبغي قراءة نمو الإنتاج الصناعي بـ2.9% بتشاؤم، ولا الاحتفال به وكأن الأزمة انتهت. إنه تحسن حقيقي ولكنه غير كافٍ. هناك قطاعات تتحرك بوضوح: الصناعات الغذائية: +9.3%. الصناعات الميكانيكية والكهربائية: +4%. وهذا مهم، لأن هذه القطاعات مرتبطة بالإنتاج والتصدير والتشغيل، وتؤكد أن تونس ما زالت تمتلك قاعدة صناعية حقيقية وقادرة على النمو.

في المقابل، هناك قطاعات تتراجع: الصناعات الكيميائية، ومواد البناء والخزف والبلور، والنسيج والملابس والجلد، والطاقة والمناجم. وهنا تظهر المشكلة التونسية بوضوح. لدينا صناعة تتحرك، ولكن بعض القطاعات الأساسية التي يفترض أن تغذي الاقتصاد بالطاقة والمواد الأولية لا تزال تكبحها. بمعنى أبسط: السيارة قادرة على السير، لكن بعض محركاتها تعمل وبعض فراملها لا تزال مشدودة.

مسارات: وكيف نحرر هذه الطاقة الموجودة داخل الاقتصاد؟

د.عبد الباسط السماري: تونس لا تحتاج إلى اختراع اقتصاد جديد من الصفر. لديها مصانع، و مهندسون، وتقنيون، وخبرة تصديرية، وموقع قريب من أوروبا وإفريقيا. المطلوب هو تحرير الطاقة الموجودة أصلًا: توفير طاقة مستقرة وتنافسية، إعادة تشغيل المناجم والفسفاط بكامل إمكاناتها، تسهيل الاستثمار، تقليص الإجراءات، تحسين الموانئ والنقل، وضمان استقرار القوانين. فالهدف لا ينبغي أن يكون أن تنمو الصناعة بـ2 أو 3% سنويًا فقط.

تونس تحتاج إلى صناعة تنمو أسرع من الاقتصاد، حتى تصبح هي التي تجر النمو والتشغيل والتصدير والاستثمار. الصناعة التونسية لم تمت. بعض محركاتها تعمل فعلًا. المطلوب الآن إزالة المكابح حتى تستطيع جر بقية الاقتصاد.

مسارات: في المقابل، ترفض اختزال البدائل الاقتصادية في خيارين: إما الاقتراض الخارجي أو رفضه. ما البديل الذي تقترحه؟

د. عبد الباسط السماري: لا يكفي أن نرفض صندوق النقد والمؤسسات الدولية؛ فالاستقلال الحقيقي لا يكون برفض التمويل الخارجي فقط، بل ببناء بديل وطني قادر على تمويل التنمية. وهنا تحديدًا تختلف رؤيتنا. نحن ندعو منذ سنوات إلى إصلاح متكامل، لا إلى مسكنات متفرقة: مقاصة الديون المتقاطعة بين الدولة والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص لتحرير السيولة المجمدة. تمويل انتقائي ومدروس من البنك المركزي للمشاريع الكبرى المنتجة بالدينار، لا للأجور والاستهلاك، حتى تتحول السيولة إلى طرق وطاقة ومياه وسكك ومناطق صناعية وأصول تملكها الدولة وتولد النمو والضرائب. إعادة هيكلة المؤسسات العمومية ومنحها استقلالية في التسيير مقابل المحاسبة الصارمة على النتائج.ترشيد الدعم وتوجيهه مباشرة إلى مستحقيه بدل دعم السلعة ليستفيد منه الغني والفقير والمهرب وغير المقيم.استقرار القوانين وتحرير المبادرة.

مسارات: وتقترح أدوات أخرى مثل الصكوك والماليّة الإسلامية؟

د. عبد الباسط السماري: إلى جانب التمويل التقليدي، لماذا لا نوسع أدواتنا إلى الصكوك والمالية الإسلامية والأوقاف الاستثمارية، ونستفيد من الزكاة المنظمة كرافد إضافي للتضامن والتمكين الاقتصادي؟ ثم نحدد للدولة أولويات سيادية واضحة: الماء، الغذاء، الطاقة، الدواء، النقل والبنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا. تونس لا تحتاج إلى معجزة اقتصادية. تحتاج أولًا إلى أن تتوقف الدولة عن معالجة كل أزمة بمعزل عن الأخرى، وأن تنتقل من إدارة النقص إلى صناعة الثروة. السيادة الاقتصادية لا تتحقق بالشعارات ولا بكثرة الاقتراض، بل بدولة تعرف ماذا تريد، وماذا تمول، وماذا تنتج، وكيف تقيس النتائج.


مسارات: طرحت سابقًا مفهوم «دخل الكرامة» وحددت أرقامًا مرتفعة نسبيًا مقارنة بمستويات الأجور الحالية. هل تدعو المؤسسات إلى رفع الأجور إلى تلك المستويات؟

د.عبد الباسط السماري: عندما طرحتُ مفهوم «دخل الكرامة»، قدرتُ أن مستوى الدخل الذي يسمح بحياة كريمة دون اللجوء المستمر إلى الاقتراض يبدأ تقريبًا من 2000 دينار للفرد، ويصل إلى نحو 4700 دينار لعائلة من أربعة أفراد. لكنني أكدت منذ البداية أن هذه الأرقام ليست أجورًا أقترح فرضها غدًا على المؤسسات. إنها مرجع اجتماعي واقتصادي نقيس به المسافة بين دخل التونسي وتكاليف الحياة.

لا يمكن معالجة تراجع القدرة الشرائية فقط بزيادات متتالية في الأجور. لأن المؤسسة التونسية التي نطالبها برفع الأجور تعمل في الوقت نفسه تحت ضغط الطاقة والتمويل والجباية والنقل والمواد الأولية والمنافسة الأجنبية. وإذا ارتفعت كلفة العمل أسرع من الإنتاجية، فإن النتيجة قد تكون ارتفاع الأسعار، وتراجع الاستثمار، وفقدان القدرة التنافسية، بل وحتى خسارة مواطن الشغل.

مسارات: وما البديل الاجتماعي الذي تقترحه؟

د. عبد الباسط السماري: بدل أن تدعم الدولة السلعة، فتستفيد من السعر المدعوم الأسر الميسورة والفقيرة، والمقيم وغير المقيم، وقد يتسرب جزء منه إلى التهريب والهدر، يمكن الانتقال تدريجيًا إلى دعم الإنسان نفسه. وفي مرحلة أولى، أقترح منح: 100 دينار شهريًا لكل تونسي مقيم في تونس.

وفي المقابل يتم تدريجيًا تحرير أسعار المواد المدعمة، مع مراقبة صارمة للمنافسة ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار. والـ100 دينار ليست نهاية الإصلاح، وإنما جسر اجتماعي نحو منظومة أكثر عدلًا وشفافية.

مسارات: ما المعادلة النهائية التي تريد الوصول إليها؟

د.عبد الباسط السماري: دخل كرامة كهدف اجتماعي، 100 دينار كأداة انتقالية، تحرير تدريجي للأسعار، أجور ترتفع مع الإنتاجية والنمو، ودعم موجّه في المرحلة النهائية لمن يحتاج إليه فعلًا. هدفنا ليس توزيع الفقر بطريقة أكثر عدلًا، بل إنتاج ثروة أكبر ثم توزيعها بطريقة أكثر عدلًا.

لا أريد تونسيًا يعيش بمنحة. ولا مؤسسة تعيش بالحماية. أريد مواطنًا يمتلك قدرة شرائية حقيقية، ومؤسسة قادرة على المنافسة، ودولة تدعم الإنسان عندما يحتاج إليها بدل أن تبدد مواردها في دعم الأسعار للجميع.


مسارات: تحدثنا عن الماء والطاقة والصناعة والفسفاط والدواء والقدرة الشرائية. لكنك ذهبت في رسالتك الأخيرة إلى الرئيس سعيد، إلى أبعد من الاقتصاد، وقلت إن الوضع لا يمكن إصلاحه اقتصاديًا فقط. لماذا تربط اليوم بين المسألتين الاقتصادية والسياسية؟

د.عبد الباسط السماري:الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية أصبحت ظاهرة للعيان، والاحتقان السياسي يتزايد، والقلق على المستقبل يدفع جزءًا من شبابنا و كفاءاتنا إلى التفكير في الهجرة، بينما تحتاج البلاد أكثر من أي وقت مضى إلى الثقة والاستقرار والاستثمار والأمل.

ولا يمكن معالجة كل ذلك بالاقتصاد وحده. الدولة القوية ليست الدولة التي تضيق بالاختلاف، بل الدولة التي تثق في نفسها وفي شعبها ومؤسساتها وقوانينها. لقد حان، في تقديري، وقت الانتقال من مرحلة التصلب والقطيعة إلى مرحلة جديدة عنوانها: الحرية والمسؤولية وسيادة القانون.

مسارات: وجهت نداءً مباشرًا إلى رئيس الجمهورية بعنوان «لقد حان وقت إطلاق الحريات». ماذا تقصد عمليًا بإطلاق الحريات؟

د. عبد الباسط السماري: لقد حان وقت إطلاق الحريات: الحرية السياسية، حتى يعود الاختلاف إلى مكانه الطبيعي: الأفكار والبرامج وصناديق الاقتراع، لا الخصومة والعداوة. الحرية الاقتصادية، حتى يبادر التونسي ويستثمر وينتج ويخلق الثروة ومواطن الشغل دون أن يشعر بأن الإدارة والعراقيل وعدم استقرار القوانين تقف في طريقه. حرية الضمير والمعتقد، لأن الدولة المدنية القوية تحمي حق كل تونسي في قناعاته ما دام يحترم القانون وحقوق الآخرين.

حرية العمل والمبادرة، لأن تونس لا تستطيع أن تطلب من شبابها البقاء فيها ثم تغلق أمامهم أبواب المبادرة والإبداع. وحرية التعبير والصحافة، لأن الكلمة مهما كانت مزعجة يمكن الرد عليها بالكلمة، والرأي يواجه بالرأي، والمعلومة الخاطئة تصحح بالمعلومة الصحيحة.

مسارات: في الرسالة نفسها تحدثت صراحة عن السجناء السياسيين والشخصيات العامة الموقوفة. ما الذي تطالب به تحديدًا؟

د.عبد الباسط السماري: أعتقد أن الوقت قد حان أيضًا لمعالجة ملف السجناء السياسيين والشخصيات العامة الموقوفة بروح جديدة.

فكل من لم تثبت في حقه جرائم عنف أو فساد أو إثراء غير مشروع، وكل من عُرف لدى الرأي العام بالسلوك المدني ونظافة اليد، يستحق أن تتمتع قضيته بكل ضمانات المحاكمة العادلة، وأن يُنظر، حيث يسمح القانون، في بدائل الإيقاف السجني. وإذا رأت السلطات القضائية المختصة ضرورة اتخاذ تدابير احترازية إلى حين استكمال الإجراءات، فإن الإقامة الجبرية أو المراقبة بواسطة السوار الإلكتروني يمكن أن تكون، عندما يسمح القانون بذلك وتتوفر شروطه، بديلًا أقل قسوة من السجن.

مسارات: ألا يمكن أن تُفهم هذه الدعوة على أنها مطالبة بتساهل الدولة مع أشخاص متهمين أمام القضاء؟

د. عبد الباسط السماري: ليس المطلوب أن تتصالح الدولة مع الجريمة، ولا أن تتخلى عن هيبتها، ولا أن يتدخل أحد في القضاء. المطلوب هو أن نفرق بوضوح بين الجريمة والخلاف السياسي، وبين من يهدد الدولة ومن يعارض السلطة، وبين حرية التعبير والتحريض على العنف.

مسارات: وما علاقة إطلاق الحريات وجو المصالحة الذي تدعو إليه بجذب الاستثمار وتحريك الاقتصاد؟

د. عبد الباسط السماري: فتح المجال العام يمكن أن يكون أيضًا رسالة اقتصادية قوية إلى العالم:رسالة استقرار وثقة وانفتاح، تشجع المستثمر التونسي والأجنبي، وتطمئن الكفاءات، وتعيد الأمل إلى الشباب. تونس اليوم في حاجة إلى مصالحة مع نفسها.

نحتاج إلى دولة قوية، ولكننا نحتاج بالقدر نفسه إلى مجتمع حر.نحتاج إلى الأمن، ولكن الأمن الحقيقي لا يتناقض مع الحرية. نحتاج إلى هيبة الدولة.

مسارات:  شكرا دكتور على إتاحة هذه الفرصة الثمينة لمتابعي منصة مسارات.


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر