🎙آخر الأخبار
إعلان
تقارير

رفض تجديد جوازات السفر لمعارضين تونسيين... مخاوف من اتساع الظاهرة وانتقادات للمساس بالحقوق المدنية.

8 أوت 2026

رفض تجديد جوازات السفر لمعارضين تونسيين... مخاوف من اتساع الظاهرة وانتقادات للمساس بالحقوق المدنية.

لا يزال التأويل المتعسف للقانون، في ظلّ شكوك متنامية حول استقلالية المرفق القضائي، يحول دون تمتيع عشرات المعارضين بجوازات سفرهم.

مسارات - الحسين المختار بن عمر

    لم تكد تخفت موجة التصريحات الإعلامية المُندّدة بحرمان معارضين لسلطة سعيّد من جوازات سفرهم، حتى طفت تصريحات أخرى تذكّر بأن حزمة التصريحات الرسمية المؤكدة على "التقيد بالآجال القصوى في إنجاز مختلف الوثائق الإدارية والعمل على تذليل كل الصعوبات"، فضلاََ عن الإجراءات الأخيرة المتخذة من قبل وزارة الداخلية بالشراكة مع وزارة تكنولوجيات الاتصال، ما تزال تستثني معارضين وإعلاميين كثر مقيمين بالخارج. ولا يزال التأويل المتعسف للقانون، في ظلّ شكوك متنامية حول استقلالية المرفق القضائي، يحول دون تمتيع عشرات المعارضين بجوازات سفرهم. 

ويجابه المحرومون من التجديد، في كل مرة بنفس الجواب الإداري: "قمنا بإبلاغ الإدارة المركزية بتونس و نحن في انتظار ردهم". في حين "تمر الأسابيع والأشهر دون تلقي أي ردّ رسمي"، وفق تصريح ماهر المذيوب، مساعد رئيس مجلس نواب الشعب السابق، لـمسارات.

مشاركون في جلسة برلمانية محرومون من السفر

 عدا استثناءات قليلة، لا يزال جميع أعضاء برلمان دورة 2019-2024، ممن شاركوا في الجلسة البرلمانية الختامية بتاريخ 30 مارس-آذار 2022، محرومين من تجديد جوازات سفرهم، سواء كانوا داخل تونس أو خارجها. وهي الجلسة البرلمانية التي صادقت على مشروع قانون عدد 1 لسنة 2022 المتعلق بإنهاء العمل بالإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد يوم 25 جويلية-يوليو 2021، وذلك بأغلبية 116 نائبًا شاركوا في الجلسة عن بُعد. كما قرر الحاضرون في الجلسة رفض استمرار "التدابير الاستثنائية" ورفض حل المجلس الأعلى للقضاء.

وبالرغم من أنّه في مساء اليوم نفسه، أعلن قيس سعيّد، خلال اجتماع مجلس الأمن القومي، حل مجلس نواب الشعب، عبر سن الأمر الرئاسي عدد 309 لسنة 2022، فإنّ اعتماد المحكمة الافريقية لحقوق الإنسان والشعوب على مخرجات تلك الجلسة البرلمانية "الشرعية" في إصدار أحكامها المهمة يوم 22 سبتمبر-أيلول 2022، عقّد وضعية المشاركين في الجلسة البرلمانية ولا يزال حائلا دون تمتيعهم بحقوقهم المدنية وعلى رأسها تمكينهم من تجديد جوازات سفرهم.

وكانت المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب قد قررت في الذكرى الأولى لسن الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 مؤرخ في 22 سبتمبر-أيلول 2021 ويتعلّق بتدابير استثنائية، إلغاء الأمر الرئاسي عدد 80 لسنة 2021، الذي قام بتعليق اختصاصات البرلمان الشرعي، وإلغاء الأمر عدد 109 لسنة 2021، الخاص بتمديد التدابير الاستثنائية. وكذلك إلغاء الأوامر اللاحقة المرتبطة بتعيين الحكومة.

الأستاذ الحبيب بنسيدهم، المحامي وعضو برلمان دورة 2019-2024، والمستشار القانوني المقيم بدولة قطر، هو آخر الضحايا المشمولين بالمماطلة والحرمان من تسلم جواز السفر. فقد دوّن على صفحته الخاصة فايسبوك منددا بالتسويف والمماطلة بالقول إنّه  كان أودع مطلب تجديد جواز السفر يوم 01 جويلية-تموز 2026 بمقر السفارة التونسية بالدوحة، ورغم إعلام الطاقم الإداري بنيته إيداع مطلب استعجال نظر لحاجته الماسة لجوازه بحكم طبيعة شغله القانونية، فإنه عند مراجعتهم خلال اليومين الأخيرين، تم إعلامه بعدم جهوزيته بعد وهم في انتظار ردّ من تونس لم يأت بعد!

أما الأستاذ ماهر المذيوب، مساعد رئيس مجلس نواب الشعب، فقد صرّح لمسارات، بأنه تقدّم بمطلب تجديد جواز سفره منذ يوم 02 جانفي-يناير 2025، لدى القسم القنصلي بسفارة الجمهورية التونسية بالدوحة حيث يقيم منذ 2005، وبعد أشهر من المماطلة جاءه الردّ بإعلامه: "قولوا له يروح"!

يحدث هذا رغم أن الأستاذ ماهر المذيوب انتخب عضوا بالبرلمان ممثلا للتونسيين بالخارج لدورتين متتاليتين، وبالرغم من أنّ "عدم تجديد جواز سفري يعني إسقاط الإقامة عني و خسارة عملي و انقطاع كافة الخدمات الصحية والتعليمية عني  و عن عائلتي الصغيرة المقيمة معي بمدينة الدوحة"، وفق ما صرّح به لمسارات.

ويضيف المذيوب بالقول إنه حاول حلحلة الأمر مع كلّ من السفير التونسي بالدوحة و وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج و وزير الداخلية ورئيس الجمهورية التونسية عبر رسائل نشرها على صفحته  الشخصية لفايسبوك، إلاّ أنه بعد أكثر من سنة ونصف لا يزال محروما من حقه الدستوري والمدني. ويؤكد المذيوب أنّه "منذ أن غادرت تونس، لم أرتكب أي مخالفة إدارية و لا شكاية و لا أية تتبعات قانونية. جريمتي الوحيدة التي اعتز و أتشرف بها انني منذ يوم 26 جويلية-تموز 2021 و إلى يوم الناس هذا أدافع عن رئيسي في العمل و النواب المنتخبين لدى لجنة حقوق الإنسان للبرلمانيين بالاتحاد البرلماني و هذه آلية إنسانية دولية معترف بها من الدولة التونسية و مجلس نواب الشعب بالجمهورية التونسية".

بدوره لم يمكّن المهندس فتحي العيادي، القيادي البارز في حركة النهضة ورئيس مجلس شوراها بين 2012 و2016، من تجديد جواز سفره وهو المقيم بألمانيا. وفي تصريح لمسارات يقول العيادي إنه ليس متأكّدا من سبب عدم تجديد سفره، فبالإضافة إلى مشاركته في الجلسة البرلمانية يوم 30 مارس-آذار 2022، فإنه مشمول بالتتبع القضائي بمعية السجين السياسي البروفيسور منذر الونيسي.

المدير العام لشبكة الزيتونة للإعلام والاتصال محروم من جواز السفر منذ 2022!

  لم يقتصر أمر الحرمان من تجديد جواز السفر على المعارضين ممن شاركوا الجلسة البرلمانية ليوم 30 مارس-آذار 2022، فالإعلامي سامي الصيد، المدير العام لشبكة الزيتونة للإعلام والاتصال، والمقيم خارج تونس منذ 25 جويلية-تموز 2021، لا يزال محروما من تجديد جواز سفره. وفي تصريح لـمسارات، أكّد الصيد أنه راجع القنصليات بالخارج أكثر من مرّة، و بعد أشهر من المماطلة والتسويف، كان الجواب: "روّح لتونس وعالج الأمر هناك".


ولئن أشار الصيّد إلى أنه تتعلّق به مخالفات وقضايا تتعلق كلّها بقناة الزيتونة، إلا أنّه أكّد على أن القضايا والخطايا -جمع خطية- والأحكام المتعلقة بها هي غيابية و"تمت إثارتها من قبل هيئة الاتصال السمعي البصري المنتهية صلاحيتها ومهامها". مضيفا بالقول إنه يأسف لتوظيف الهيئة المذكورة المناخ السياسي الذي عرفته تونس منذ 25 جويلية-تموز 2021 لمحاصرة عمل قناة الزيتونة وهي التي تعسفت في عدم تمكين القناة من الترخيص القانوني رغم استيفائها جميع الشروط القانونية والمالية. ولذلك يؤكد سامي الصيد على حقه في تسلّم جواز سفره الذي يُحرم منه منذ 2022.

كما شمل منع تجديد جواز السفر الإعلامي أسامة العذاري، المشرف على قناة البلاغ الرقمية، والمقيم باليابان. فرغم تأكيد العذاري على أنه غير مشمول بأي ملف قضائي أو أمني داخل تونس، فإن القنصلية التونسية باليابان ورغم تسليمه نسخة من مطلب التجديد فإنها أعلمته بضرورة العودة لتونس "لتسوية الوضعية"!

اتهامات باستغلال أجهزة الدولة لتصفية حسابات سياسية

لدى استفسار المهندس عماد الدايمي، المرشح لرئاسية 2024 وعضو البرلمان لدورتين، عن سبب عدم تمكينه من تجديد جواز سفره، عبّر في تصريح خاص لمسارات، بأنّ السؤال يُوجّه إلى السلطات التونسية. خاصة وأنّه "أُبلغ بقرار الرفض شفهيّا ومن دون أي تعليل مكتوب". 

ويشير الدايمي إلى بروز ما أسماها بالشبهة القوية باستغلال أجهزة الدولة والإجراءات الإدارية في تصفية حسابات سياسية مرتبطة بترشحه السابق للانتخابات الرئاسية. مضيفا بالقول إنّه "في إطار سياسة ترمي إلى التنكيل بالمعارضين والتضييق عليهم وتعطيل أي دور يمكن أن يؤدوه في المستقبل. وما يزيد خطورة هذه القضية أنها لا تتعلق بشخصي فقط، بل بمبدأ المساواة أمام القانون وحق كل مواطن في التمتع بحقوقه الأساسية بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية  والإنصات لكافة المواطنين".

الحرمان من تجديد جواز السفر عُقوبة إدارية مقنعة

جوابا عن استفسار مسارات ما إذا كان رفض السلط التونسية تسليم جواز سفر لمواطن تونسي أو تجديده مشروعًا، عندما لا يُفرَّغ هذا الرفض في قرار كتابي ولا يكون معلّلًا، أجاب الأستاذ رضا العجمي، المحامي السويسري المختص في الشؤون الدولية، من خلال الاستشهاد بوضعية المرشح الرئاسي السابق عماد الدايمي. مذكرا في هذا الصدد بأن «لجنة العدالة» استنكرت الرفض الذي ووجه به الدائمي، والذي أُبلغ به شفاهيًا في أفريل 2026 دون أي تعليل كتابي رغم مساعيه لدى قنصلية تونس ببانتان الفرنسية ولدى وزارة الداخلية، ووصفته بأنه "عقوبة إدارية مقنعة"، تندرج ضمن سياسة "الحرمان من الوثائق" الموجهة ضد الأصوات الناقدة. 

وفي هذا السياق ذكّر العجمي بأنّ دستور 25 جويلية-تموز 2022  يضمن لكلّ مواطن: "حرية اختيار مقر إقامته وحرية التنقل داخل الوطن وحق مغادرته" (الفصل 30، الفقرة الثانية). ويضيف أنه "لا يجوز سحب الجنسية التونسية من أي مواطن ولا تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن" (الفصل 31).

وأضاف العجمي بالقول إنّ الحق في جواز السفر حق ذاتي لا منّة من الإدارة، خاصة عندما يهدف الحرمان من تجديد جواز السفر في حقيقته إلى معاقبة المعني بالأمر على انتمائه إلى المعارضة أو على تعبيره، من الخارج، عن مواقف ناقدة للسلطة القائمة.

هل يجيز التشريع الأساسي الخاص بجوازات السفر حرمان المعارضين؟

  يشير الفصل 13 من القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرخ في 14 ماي-مايو 1975، وعلى وجه التحديد الفقرة منه التي تقول: "لأسباب تتعلق بالنظام العام والأمن، أو من شأنها الإضرار بسمعة تونس." إلى أحد الاستثناءات التي أقرّها التشريع الأساسي في الجمهورية التونسية الذي يتعلق بـجوازات السفر ووثائق السفر، كأحد الموانع القانونية التي قد تحرم صاحبها حق الحصول على جواز سفر. فإلى أي حد يمكن التعسّف في تأويل هذا النص؟ 

يرى الأستاذ رضا العجمي أنّه لا يمكن قراءة الفقرة وحدها أو تأويلها بمعزل عن بقية المنظومة القانونية. كما أنّ هذا الاستثناء لم يعد يمنح الإدارة سلطة رفض الجواز بنفسها، ذلك أنّ القانون الأساسي لسنة 2017 نقل سلطة تقييد حرية السفر من الإدارة إلى القضاء، وبالتالي فالإدارة لا تستطيع أن تقرر بنفسها أن شخصًا "يضر بسمعة تونس"، وإذا رأت أن سفره يمس بالأمن العام، فعليها أن تلجأ إلى القضاء. وبالتالي فالقاضي وحده هو الذي يقرر بعد سماع الشخص، وبقرار معلل، ولمدة محددة، مع إمكانية الطعن. وأهم شيء في الأمر هنا تقييد فعل المنع بمدة محددة معلومة.

وزير الداخلية السابق كمال الفقي يوصي بتمكين المعارضين من جوازات سفرهم

التأويل القانوني أعلاه المقدّم من قبل الأستاذ رضا العجمي يدعّمه التوجّه الذي سارت فيه وزارة الداخلية التونسية فترة تولّي الوزير السابق كمال الفقي، حيث نشرت الصفحة الرسمية للوزارة على فايسبوك، يوم 6 جويلية-تموز 2023، خبرا مفاده: "أسدى وزير الداخلية كمال الفقي تعليماته بضرورة تمكين كل مواطن تونسي من وثائقه بمن فيهم الخاضعون لمناشير تفتيش أو الذين تعلقت بهم قضايا حق عام أو من ذوي السوابق العدلية  مع دعوتهم إلى ضرورة تسوية وضعياتهم  مع الجهات القضائية. ويستثنى من ذلك المفتش عنهم المتورّطون في قضايا التطرف والإرهاب.

وقد مكّن قرار وزير الداخلية كمال الفقي بتسهيل الإجراءات، العديد من المعارضين والإعلاميين من الحصول على جوازات سفرهم. فلماذا يتواصل استثناء أعضاء البرلمان المشاركون في الجلسة البرلمانية الختامية بتاريخ 30 مارس-آذار 2022؟

يزداد غموض الموقف بين التشديد السياسي وتعسّف التأويل القانوني خاصة وقد تمّ تمكين معارضين حاليين للسلطة، من جوازات سفرهم خلال المدّة الأخيرة، بعد أن كتبوا متظلّمين، على غرار محسن مرزوق، مدير الديوان الرئاسي الأسبق والسياسي البارز، والأميرال كمال العكروت. بل إنّه تمّ تمكين محكومين بعشرات السنين من جوازات سفرهم من نوّاب وسياسيين. فهل تجتهد السلطة في تمكين التونسيين على اختلاف مشاربهم الفكرية وأنشطتهم السياسية ممن لم يتورطوا في أي عمل من شأنه المساس بالأمن القومي للبلاد، وظل نشاطهم السياسي المعارض سلميا ينشد استعادة الحرية للبلد ولأهلها؟



تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر