🎙آخر الأخبار
إعلان

تونس في قلب عواصف الإقليم: اللحمة الوطنية بوصفها خطَّ الدفاع الأول

19 سبتمبر 2026

تونس في قلب عواصف الإقليم: اللحمة الوطنية بوصفها خطَّ الدفاع الأول

في مقال رأي كتبه خصيصًا لمنصة مسارات، يقرأ الكاتب السياسي نجيب العياري التحولات المتسارعة في محيط تونس، من الأزمة المغاربية إلى ليبيا والساحل الإفريقي، وما تفرضه من تحديات أمنية واقتصادية وسياسية. ويؤكد أن مواجهة هذه العواصف لا ترتبط فقط بالحدود والتحالفات، بل أيضًا بمتانة الداخل، وقوة المؤسسات، واللحمة الوطنية.

نجيب العياري - كاتب السياسي

ليس من المبالغة القول إن تونس تدخل واحدة من أكثر المراحل الإقليمية حساسية منذ عقود. فما يجري حولها لم يعد مجرد أزمات متفرقة في دول الجوار، بل تحولات عميقة تمس موازين القوة والتحالفات والحدود وممرات الطاقة والتجارة، وتعيد رسم المجال الاستراتيجي الذي تتحرك داخله بلادنا.

إلى الشرق، تظل ليبيا منقسمة بين سلطات ومؤسسات متنافسة، فيما تتداخل على أرضها المصالح التركية والروسية والمصرية والإماراتية والغربية. وإلى الغرب، يتواصل التوتر الجزائري المغربي، وقد تجاوز ملف الصحراء الغربية ليشمل التنافس الدبلوماسي والتسلح والامتداد الإفريقي. أما الجنوب، حيث الساحل والصحراء، فيشهد انهيار ترتيبات أمنية قديمة وصعود تحالفات جديدة، في ظل تمدد الجماعات المسلحة وتزايد تدخل القوى الخارجية. وفي الشمال، يعيد الاتحاد الأوروبي ترتيب أولوياته الاستراتيجية تحت تأثير الحروب وأزمات الطاقة والهجرة والتحولات الدولية.

هذه ليست أحداثًا تقع بعيدًا عن تونس، وإنما تغيّرات في البيئة التي ستعيش فيها بلادنا خلال السنوات المقبلة. والأخطر أن هذه التحولات الخارجية تأتي في وقت تواجه فيه تونس صعوبات اقتصادية واختلافات سياسية وتراجعًا في الثقة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة. 

هنا تبرز الإشكالية المركزية لهذا المقال: كيف تستطيع دولة محدودة الموارد، تقع في ملتقى هذه التحولات، أن تحمي أمنها واستقلال قرارها من دون أن تمتلك الحد الأدنى من التماسك الداخلي؟ ذلك أن قوة الدولة في الخارج تبدأ، في جانب كبير منها، من تماسكها في الداخل.

الجزائر والمغرب: حين يصبح الخلاف الثنائي أزمة إقليمية

لم يعد التوتر بين الجزائر والمغرب خلافًا دبلوماسيًا عابرًا. فمنذ إغلاق الحدود البرية سنة 1994، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية سنة 2021، تراجع التعاون بين أكبر قوتين في المغرب العربي، بينما استمر التنافس حول الصحراء الغربية واتسعت دوائره إلى مجالات التسلح والطاقة والتحالفات الدولية والنفوذ داخل إفريقيا.

وقد حذر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية من أن تصاعد التوتر بين البلدين يهدد استقرار شمال إفريقيا، وأن أي مواجهة مباشرة ستكون ذات تداعيات إقليمية واسعة. وليس من الضروري أن تندلع حرب حتى تظهر الكلفة. إذ يكفي أن تستمر الحدود مغلقة، أو تتعطل مشروعات الربط الاقتصادي، حتى يُستنزف قدر متزايد من الموارد في التسلح، وتصبح علاقات الدول الأخرى بالطرفين خاضعة لحسابات المنافسة.

لقد كان الاتحاد المغاربي مشروعًا واعدًا بإمكانه أن يمنح شعوب المنطقة سوقًا واسعة وعمقًا تفاوضيًا أكبر في علاقتها بأوروبا وإفريقيا والعالم. لكنه بقي معطلًا في الوقت الذي راحت فيه القوى الدولية تعيد تنظيم مصالحها وتحالفاتها.

أما التطور الأكثر دلالة فقد جاء في سبتمبر 2026، حين أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها باتخاذ مواقف وأفعال اعتبرتها عدائية. كما تحدثت تقارير إخبارية عن تراكم الخلافات المرتبطة بالسياسات الإقليمية، ومنها الصحراء الغربية والساحل والعلاقات مع المغرب.

إن هذا التطور يكشف أن الأزمة لم تعد محصورة بين الجزائر والرباط. فالخلافات المغاربية أصبحت تتفاعل مع علاقات الخليج وإسرائيل والقوى الغربية، وتتقاطع مع منافسات النفوذ في إفريقيا. وهنا يظهر التحدي بالنسبة إلى تونس: فالجزائر تمثل بالنسبة إليها جارًا مباشرًا وشريكًا اقتصاديًا وأمنيًا بالغ الأهمية، بينما تربطها بالمغرب علاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية تستحق الاستمرار. وأي تصعيد بين البلدين يضيّق المجال الدبلوماسي المتاح لتونس، ويزيد كلفة الانقسام المغاربي عليها. فليس مطلوبًا أن تنظر تونس إلى الجزائر والمغرب من زاوية اختيار أحدهما ضد الآخر، بل أن تدرك أن استقرار البلدين والعلاقات بينهما جزء من استقرار محيطها الإقليمي.

الجزائر: شراكة استراتيجية في محيط مضطرب

تكتسب العلاقة التونسية الجزائرية أهمية خاصة في هذه المرحلة. فالبلدان يتقاسمان حدودًا طويلة، ويتداخل أمنهما بصورة مباشرة في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب وتداعيات الاضطرابات في ليبيا والساحل. ففي 7 أكتوبر 2025 وقّع البلدان اتفاقية تعاون دفاعي تشمل التكوين والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات وتعزيز التنسيق والعمل الميداني في تأمين الحدود، وقد جاءت الاتفاقية استكمالًا لاتفاق سابق يعود إلى سنة 2001.

هذه العلاقة ليست مجرد تعاون عسكري، بل إنها تعبير عن تشابك أمني وجغرافي يجعل استقرار كل بلد ذا أثر مباشر في الآخر. فالعلاقات الاستراتيجية بين الدول تكتسب معناها الأعمق حين تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل واستقلال القرار. وتونس تحتاج إلى تعاون وثيق مع الجزائر في حماية الحدود وتبادل المعلومات ومواجهة التهديدات العابرة للدول، كما تحتاج إلى الحفاظ على قدرتها على التحرك الدبلوماسي مع سائر بلدان المنطقة.

وهنا يظهر الفرق بين الشراكة التي توسع هامش الحركة والتبعية التي تخنقه. فكلما اتسعت شبكة العلاقات الخارجية لتونس على قاعدة المصالح الواضحة، زادت قدرتها على التعامل مع الأزمات التي لا تملك السيطرة على أسبابها.

ليبيا: الجبهة التي لا تحتمل الانتظار

إذا كان التوتر الجزائري المغربي يمثل تحديًا استراتيجيًا طويل المدى، فإن ليبيا تمثل مصدرًا أقرب وأكثر مباشرة لعدم اليقين. فمنذ سقوط نظام القذافي، لم تنجح ليبيا في استعادة وحدة مؤسساتها العسكرية والسياسية بصورة مكتملة، وقد ساعد هذا الانقسام على تدخل قوى إقليمية ودولية متعددة، لكل منها مصالحها وأدواتها وشركاؤها المحليون.

لكن التحول الأهم يتمثل في أن خريطة التحالفات القديمة لم تعد ثابتة. فتركيا، التي تدخلت عسكريًا إلى جانب حكومة طرابلس خلال الحرب ضد قوات خليفة حفتر، بدأت تطور اتصالاتها وعلاقاتها مع معسكر الشرق.

وفي أفريل 2026، نشرت وكالة رويترز تحقيقًا يستند إلى صور أقمار اصطناعية أظهرت وجود طائرات مسيّرة تركية وصينية في قاعدة الخادم الجوية الخاضعة لقوات حفتر، رغم استمرار حظر الأسلحة الأممي على ليبيا. ولم تتمكن الوكالة من تحديد الجهة التي زودت القوات بهذه المعدات أو المسؤول الفعلي عن تشغيلها.

إن أهمية الخبر لا تكمن في عدد الطائرات، وإنما في تغيّر البيئة الاستراتيجية. فالقوى التي كانت تقف على طرف في الصراع أصبحت قادرة على فتح قنوات اتصال وتعاون مع الأطراف المتنافسة نفسها. وفي الوقت الذي تطور فيه تركيا علاقاتها مع الشرق والغرب، تحتفظ روسيا بمصالحها وحضورها العسكري، وتبقى مصر معنية مباشرة بما يحدث في شرق ليبيا، بينما تواصل الدول الأوروبية والولايات المتحدة التعامل مع الملف من زوايا الأمن والطاقة والهجرة. وهكذا أصبحت ليبيا فضاءً لتشعب وتشابك النفوذ أكثر منها ساحة تنقسم بصورة بسيطة بين محورين.

أما بالنسبة إلى تونس، فإن هذا التحول يطرح أسئلة تتجاوز أمن المعابر الحدودية: فما أثر استمرار الانقسام الليبي على التجارة التونسية؟ وكيف يمكن التعامل مع وجود منظومات عسكرية أجنبية متزايدة بالقرب من المجال التونسي؟ وما تداعيات تحول الصحراء الليبية إلى مجال للتنافس العسكري واللوجستي؟ وكيف يمكن الحفاظ على العلاقات مع مختلف الأطراف الليبية من دون الارتباط بصراع أحدها ضد الآخر؟

هذه الأسئلة ترتبط بمصلحة تونس في وجود دولة ليبية موحدة ومستقرة وقادرة على إدارة حدودها ومؤسساتها ومواردها. فالأمن المستدام لا يتحقق بإغلاق المعابر وحده، وإنما يتعزز بوجود مؤسسات دولة قادرة على العمل على جانبي الحدود.

الساحل الإفريقي: الخطر القادم من العمق

طوال سنوات تعاملت دول شمال إفريقيا مع الساحل والصحراء باعتبارهما عمقًا جغرافيًا بعيدًا. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن المسافة الجغرافية لم تعد حاجزًا كافيًا أمام انتقال المخاطر.

لقد شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر انقلابات عسكرية وتغيّرات في التحالفات الدولية وتراجعًا في الوجود العسكري الفرنسي والغربي مقابل توسع العلاقات الأمنية مع روسيا. وفي الوقت نفسه، استمرت الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة في توسيع عملياتها ومناطق نشاطها.

وقد أحصى مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية نحو 9928 وفاة مرتبطة بعنف الجماعات الإسلامية المسلحة في الساحل خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في منتصف 2026، وهو أعلى عدد بين الأقاليم الإفريقية التي شملها الرصد.

إن هذه المعطيات تكشف عن أزمة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة. فالجماعات المسلحة تحاول السيطرة على طرق التجارة والإمداد، وتستفيد من ضعف المؤسسات والصراعات المحلية، فيما تتداخل أنشطتها أحيانًا مع شبكات التهريب والجريمة المنظمة.

ولا يعني ذلك أن انتقال العنف إلى تونس أمر محتوم، بل إن اتساع نطاق الاضطراب يجعل التعاون الإقليمي والمراقبة والاستشراف عناصر أكثر أهمية. وتتضاعف حساسية الوضع بسبب العلاقات المتوترة أحيانًا بين الجزائر وبعض دول الساحل والتحولات المستمرة في ليبيا.

لقد أصبح المجال الممتد من شمال مالي والنيجر إلى الجزائر وليبيا وتونس مترابطًا أمنيًا بدرجة أكبر. ومن ثم فإن التفكير في الأمن التونسي من داخل الحدود الوطنية وحدها لم يعد يقدم صورة كافية عن مصادر المخاطر.

الاقتصاد التونسي: الهشاشة التي تضاعف أثر العاصفة

لا يُقاس أثر الاضطرابات الخارجية على تونس بالتهديد العسكري أو الأمني وحده. فأحد أهم مسارات انتقال الأزمات هو الاقتصاد. فتونس تعتمد على واردات الطاقة والمواد الغذائية والتجهيزات الصناعية، وترتبط تجارتها بصورة وثيقة بالأسواق الأوروبية، بالاعتماد على السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج والصادرات الصناعية والخدمات في توفير موارد مهمة من العملة الأجنبية. وهذا يجعلها معرضة لاضطرابات أسعار الطاقة والتجارة والنقل والتمويل الدولية.

في جوان 2026، توقع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تراجع نمو الاقتصاد التونسي من 2.5 في المائة سنة 2025 إلى 2.2 في المائة سنتي 2026 و2027، مشيرًا إلى استمرار الضغوط المالية والخارجية. وهذه الأرقام لا تعني انهيار الاقتصاد، لكنها تكشف ضيق هوامش المناورة أمام الصدمات. فحين تكون الموارد المالية محدودة تصبح أزمة الطاقة أكثر كلفة، وحين تتعطل طرق التجارة تتأثر المؤسسات الصناعية، وحين يرتفع سعر الغذاء عالميًا تنتقل الضغوط إلى الميزانية العامة والقدرة الشرائية للأسر. لذلك لا يمكن الفصل بين الأمن الاقتصادي والأمن القومي.

إن قدرة تونس على مواجهة بيئتها الخارجية تتوقف جزئيًا على تنويع أسواقها وتحسين إنتاجيتها وتعزيز أمنها الغذائي والطاقي وتطوير ارتباطها بالاقتصاد الإفريقي. وهنا تبرز فرصة قد تحجبها المخاطر: فتونس تقع بين سوق أوروبية ضخمة وعمق إفريقي متنام، وتملك خبرات في الصناعات الكهربائية والميكانيكية والدوائية والخدمات الصحية والرقمية والهندسية.

ويمكن لهذا الموقع أن يمنحها فرصًا اقتصادية تتجاوز وظيفة البلد الحدودي الذي يتلقى تداعيات أزمات الآخرين. فالسيادة الاقتصادية لا تعني الانغلاق، بل توسيع الخيارات وتقليل مواطن الارتهان.

المشكلة الأخطر: حين تتزامن الضغوط الخارجية مع الانقسام الداخلي

لم يكن وجود الأزمات في الجوار أمرًا استثنائيًا في تاريخ تونس. فقد عرفت البلاد حروبًا إقليمية وتحولات دولية وصدامات بين القوى الكبرى وأزمات اقتصادية متعاقبة. لكن قدرة الدول على امتصاص الصدمات تتوقف على حالة مؤسساتها واقتصادها وعلاقات الثقة داخلها. وهنا تكمن إحدى أهم قضايا المرحلة التونسية.

فالاستقطاب السياسي الحاد وتراجع الثقة بين الفاعلين والمؤسسات يمكن أن يضعفا القدرة على بناء استجابة وطنية متماسكة، خصوصًا عندما يتوجب مواجهة الأزمة بقرارات متعددة القطاعات وتتطلب تحمل تكاليف اجتماعية واقتصادية. كما أن الأمر لا يتعلق بإلغاء الاختلاف السياسي أو مطالبة المجتمع بإجماع مصطنع، فالاختلاف جزء طبيعي من الحياة العامة. فالمسألة في عمقها تتعلق بالتمييز بين الخلاف حول السلطة والسياسات وبين المصالح الأساسية للدولة التي تمتد عبر الحكومات والعهد السياسية. فأمن الحدود واستقلال القرار الوطني واستمرارية المؤسسات وحماية الموارد الحيوية والعلاقات المستقرة مع الجوار، كلها ملفات تتأثر بنتائج الاختيارات السياسية، لكنها تتجاوز عمر أي حكومة بعينها.

ويستحق بناء أرضية مشتركة بشأن هذه المسائل نقاشًا وطنيًا واسعًا تتحدد فيه المصالح والأولويات وآليات المساءلة بصورة واضحة. فالتماسك الوطني لا يعني الصمت عن الأخطاء، ولا تعليق الحقوق والحريات باسم الخطر الخارجي. فقدرة المجتمع تُقاس بقدرته على إدارة اختلافاته من دون تعطيل المؤسسات أو تحويل الخصوم السياسيين إلى أعداء وجوديين. وكلما توفرت الثقة والشفافية والقدرة على المحاسبة، اتسع المجال أمام الدولة لتعبئة مواردها والتعامل مع الضغوط.

هل تكتفي تونس بالدفاع عن نفسها؟

تثير التحولات الجارية سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل ينبغي أن تظل علاقة تونس بمحيطها قائمة على تجنب المخاطر فقط؟ فالجغرافيا تملك وجهًا آخر. حيث تملك تونس نقطة اتصال بين الجزائر وليبيا وأوروبا، وتستطيع عبر مشاريع النقل والتجارة والطاقة والخدمات أن توسع ارتباطها بالأسواق الإفريقية.

ويمكن لتطوير الحدود من مناطق عبور مضطربة إلى مجالات اقتصادية منظمة أن يربط بين التنمية الجهوية والاستقرار الأمني. كما يتيح التعاون الاقتصادي مع الجوار خلق مصالح متبادلة تتجاوز الحسابات السياسية الآنية.

لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تتوقف على شروط مؤسساتية واضحة: بنية تحتية فعالة، وقواعد تجارية مستقرة، وتنسيق بين الأجهزة، وسياسات استثمار قادرة على استقطاب المؤسسات وربط المناطق الحدودية بسلاسل الإنتاج. فالموقع الجغرافي وحده لا يصنع قوة؛ إنه يقدم إمكانية، وعلى الدولة والمجتمع تحويل تلك الإمكانية إلى قدرة فعلية.

ومن هذه الزاوية، لا يظهر مستقبل تونس مرتهنًا فقط بما ستفعله القوى الكبرى أو بما ستؤول إليه أزمات الجوار، بل أيضًا بمدى قدرتها على تنظيم مواردها واستثمار علاقاتها وتحسين أداء مؤسساتها.

اللحمة الوطنية: خط الدفاع الذي لا ترسمه الخرائط

عندما تتصاعد المخاطر حول دولة ما، تتجه الأنظار عادة إلى جيشها وحدودها وتسليحها وتحالفاتها الخارجية، وهذه عناصر مهمة. لكن هناك عنصرًا لا يقل أهمية، يصعب قياسه بعدد الطائرات أو حجم الإنفاق العسكري: إنها الثقة المتبادلة التي تسمح للمجتمع والدولة بالعمل معًا وقت الأزمات.

قد تمتلك الدولة أجهزة أمنية قادرة، لكنها تحتاج أيضًا إلى اقتصاد يتحمل الصدمات، وإدارة تواصل تقديم الخدمات، ومؤسسات تتبادل المعلومات بكفاءة، ومواطنين يثقون في عدالة توزيع الأعباء. وتتطلب هذه القدرة إدراكًا مشتركًا للمخاطر، لا خطابًا يضخمها لتحقيق مكاسب سياسية، ولا خطابًا يقلل منها خشية الاعتراف بالصعوبات. ولهذا فإن مسألة الحوار الوطني تكتسب بُعدًا يتجاوز معالجة الانسداد السياسي المباشر. فمن الأسئلة التي يستحق الحوار أن يتناولها: ما المصالح الحيوية التي ينبغي حمايتها بصرف النظر عن تغير الحكومات؟ وكيف تتوزع المسؤوليات بين المؤسسات؟ وما الضمانات التي تحمي القرار الوطني؟ وكيف يمكن إشراك الخبرات العلمية والاقتصادية والدبلوماسية والأمنية في صياغة السياسات العامة؟

هذه الأسئلة لا تلغي الخلاف حول نظام الحكم أو السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تضع أمام جميع الفاعلين مسؤولية التعامل مع البيئة التي تتحرك فيها الدولة. والنتيجة الأساسية التي يمكن استخلاصها هي أن التماسك لا يصنعه إلغاء التعددية، وإنما تصنعه مؤسسات قادرة على تنظيمها وحماية القواعد المشتركة.

تونس أمام سؤال تاريخي

إن ما يجري في ليبيا والجزائر والمغرب والساحل والمتوسط لا يشكل أزمة واحدة ذات أسباب موحدة، وإنما لكل ملف تاريخه وأطرافه ومصالحه ومساراته المختلفة. لكن اجتماع هذه التحولات في فترة زمنية متقاربة يجعل البيئة الخارجية لتونس أكثر تعقيدًا، ويزيد أهمية امتلاك قراءة استراتيجية تتجاوز المتابعة اليومية للأخبار. فتونس لا تستطيع اختيار جيرانها، ولا تحديد سياسات القوى الكبرى، ولا التحكم في مسارات الصراعات الإقليمية. لكنها تستطيع تطوير معرفتها بما يجري، وتحديد مصالحها، وتنويع علاقاتها، وتحسين قدرة مؤسساتها على الاستجابة، وتحويل موقعها إلى مجال للتعاون الاقتصادي والدبلوماسي. وتستطيع، قبل ذلك كله، أن تنظر إلى الاستقرار الداخلي بوصفه مسألة مؤسسات وثقة وحقوق وفاعلية، لا مجرد غياب للاحتجاج أو الاختلاف.

فقد تختلف القوى السياسية حول الطريق الذي ينبغي أن تسلكه البلاد، لكن الجغرافيا ستظل واحدة، وستظل المخاطر الخارجية ذات أثر على الجميع.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. قد تتغير التحالفات حول تونس، وتتبدل موازين القوة، وتظهر قواعد عسكرية جديدة وتختفي أخرى، لكن قدرة البلاد على التعامل مع هذه التحولات ستظل مرتبطة إلى حد بعيد بنوعية الدولة التي يبنيها التونسيون داخل حدودهم. فالعاصفة الخارجية تكشف مواطن الضعف الداخلي، لكنها لا تحكم مسبقًا على مصير البلاد. والسؤال الذي تضعه أمامنا ليس كم عدوًا يحيط بنا، بل كم قدرة نملكها على فهم العالم والتصرف فيه، وكم ثقة نستطيع بناءها بين مؤسساتنا ومجتمعنا.

وفي النهاية، ليست اللحمة الوطنية إنكارًا للاختلاف، بل هي الضمان ألّا يتحول الاختلاف إلى عجز جماعي حين تصبح البلاد كلها معنية بالمصير نفسه.

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».

تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر