نجيب العياري - كاتب سياسي
يكون من الخطأ أن ننظر إلى ليبيا اليوم باعتبارها مجرد جار شرقي لتونس، ما يزال يبحث، منذ سقوط نظام القذافي، عن دولة لم تكتمل. فخلف الانقسام السياسي المعروف بين الشرق والغرب، وخلف الحكومتين والمؤسسات المتوازية والجماعات المسلحة، يجري تحول أعمق: تتحول ليبيا إلى إحدى ساحات إعادة ترتيب المصالح والتوازنات الإقليمية في جنوب المتوسط وشمال إفريقيا، وإلى نقطة التقاء بين ملفات كانت تبدو منفصلة، بدءًا بالطاقة والهجرة، ووصولًا إلى الحضور الروسي، وإعادة تموضع تركيا في محيطها المتوسطي والإفريقي، والعلاقة بين أنقرة والقاهرة.
لقد اعتدنا اختزال المسألة الليبية في سؤالين: هل تتوحد الدولة؟ ومن يسيطر على طرابلس وبنغازي؟ لكن التحولات الأخيرة تفرض سؤالًا ثالثًا: أي نظام إقليمي يتشكل داخل ليبيا وحولها؟ ومن يمتلك القدرة على توظيف جغرافيتها ومؤسساتها وممراتها في السنوات المقبلة؟
ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة الأخبار المتزايدة عن التقارب بين تركيا ومعسكر خليفة حفتر، وعن تطوير المطارات والبنية العسكرية والجوية في مناطق سيطرة قوات الشرق. فهي ليست أخبار إنشاءات منفصلة، بل مؤشرات إلى تغير بعض قواعد اللعبة التي حكمت الصراع الليبي طوال العقد الماضي، وإلى سعي تركيا للتكيف مع خريطة سياسية وأمنية متحركة بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية، بصرف النظر عن مآلات الانقسام الداخلي الليبي.
من حرب المحاور إلى سياسة الشبكات
قبل سنوات قليلة، كان المشهد الليبي يبدو واضحًا نسبيًا: كانت تركيا تقف إلى جانب حكومة طرابلس، بينما وجد خليفة حفتر دعمه لدى مصر والإمارات وروسيا، بدرجات وأشكال مختلفة.
وخلال حرب 2019–2020، لعب التدخل العسكري التركي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، دورًا مهمًا في وقف هجوم قوات حفتر على العاصمة. ولذلك كان من الصعب تصور أن تظهر، لاحقًا، طائرات تركية الصنع داخل قواعد يسيطر عليها المعسكر نفسه الذي واجهته أنقرة.
لكن صور الأقمار الاصطناعية التي حللتها وكالة رويترز، ونشرت نتائجها في 2 أفريل 2026، أظهرت وجود طائرات قتالية مسيّرة تركية من طراز «بيرقدار TB2»، وأخرى صينية، في قاعدة الخادم شرق بنغازي، إلى جانب تجهيزات أرضية مرتبطة بالتشغيل. ولم تتمكن الوكالة من إثبات الجهة التي زودت القاعدة بهذه الطائرات أو المسؤول المباشر عن تشغيلها.
وهذه الدقة ضرورية؛ فوجود منظومة تركية الصنع لا يثبت، وحده، أن القوات المسلحة التركية تديرها، لكنه يشير إلى تغير في البيئة التسليحية والأمنية لمعسكر الشرق.
وتزامن ذلك مع تحول سياسي أكثر وضوحًا. ففي 11 و12 أوت 2026، قام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بزيارة شملت طرابلس وبنغازي. والتقى في الغرب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ومسؤولين آخرين، ثم التقى في الشرق خليفة حفتر وصدام حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح وبلقاسم حفتر. وقد وثقت وزارة الخارجية التركية هذه الاجتماعات رسميًا. والرسالة التي تكشفها هذه الحركة الدبلوماسية هي أن أنقرة لم تعد تحصر اتصالاتها بالسلطات الموجودة في غرب ليبيا، لكنها لم تنسحب منها أيضًا.
إننا أمام تحول من علاقة قائمة أساسًا على مساندة أحد طرفي النزاع إلى محاولة بناء قنوات متوازية مع أطراف متعددة، في إطار مراجعة أنقرة لأدوات سياستها الليبية وسعيها إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية والبحرية في بيئة إقليمية شديدة التحول. ويمكن تسمية هذه الظاهرة «الانتقال من سياسة المحور إلى سياسة الشبكة».
ففي سياسة المحور، تُبنى العلاقة على تحالف مع طرف ضد طرف آخر. أما سياسة الشبكة، فتسمح بإقامة علاقات متزامنة مع أطراف متنافسة، من دون أن يعني ذلك انتهاء الخلافات بينها أو وجود توافق شامل حول المستقبل. ولا يعكس هذا الانتقال فقط رغبة في توسيع الحضور، بل أيضًا محاولة لتقليل المخاطر التي يمكن أن تنتج عن ربط المصالح التركية بطرف ليبي واحد.
وهذا تحول لا يقتصر على تركيا؛ بل هو أحد الأشكال التي بدأت تتخذها المنافسة الإقليمية في مناطق النزاعات الممتدة.
المطارات والقواعد: حين تصبح البنية التحتية أداة نفوذ
تكتسب العلاقة التركية الجديدة مع معسكر حفتر أهمية إضافية عند النظر إلى المشاريع المرتبطة بالمطارات والحدود، خصوصًا في سياق اهتمام أنقرة بتأمين طرق التجارة، وحماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على قدرة اتصال مع مختلف مراكز القرار الليبية.
ففي جويلية 2026، أعلنت قوات حفتر توقيع عقد مع شركة الإنشاءات التركية Akteknik، التابعة لتجمع ATSG، يتعلق بإدارة ومراقبة الحدود البرية. وتشمل المرحلة الأولى من المشروع 275 كيلومترًا. وأفادت صحيفة Libya Herald بأن التجمع نفسه يعمل، وفق تقارير، على إنشاء أو تحديث عدد من المطارات والقواعد الجوية في مناطق سيطرة قوات الشرق.
وقد أثارت هذه المعلومات أحاديث عن برنامج واسع يشمل إحدى عشرة منشأة جوية، بينها منشآت جديدة في بنغازي وأجدابيا والشويرف وغدامس. لكن ينبغي التمييز هنا بين ثلاثة أمور: تطوير مطار مدني، وإنشاء منشأة مزدوجة الاستخدام، وإقامة قاعدة عسكرية تديرها دولة أجنبية.
فوجود الأول لا يثبت الثاني أو الثالث تلقائيًا، كما أن الرقم الإجمالي المتداول لا يثبت، استنادًا إلى المصادر المتاحة، وجود برنامج عسكري تركي موحد يشمل جميع المواقع المذكورة.
ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يستحق التحليل، من دون افتراض أن كل مشروع للبنية التحتية يمثل تلقائيًا توسعًا عسكريًا تركيًا؛ فجزء مهم من هذه المشاريع يرتبط أيضًا بإعادة الإعمار والنقل والحدود والتجارة.
فالمطار، في بلد واسع المساحة مثل ليبيا، ليس مجرد منشأة لنقل المسافرين؛ إذ يمكن أن يكون مركزًا لوجستيًا يربط الساحل بالصحراء، ويسمح بنقل الأفراد والبضائع، وقد يدعم المراقبة الجوية أو العمليات العسكرية عندما تتوافر التجهيزات والقرارات اللازمة.
وتضيف الطائرات المسيّرة بعدًا جديدًا إلى هذه الجغرافيا؛ فالمراقبة المستمرة لمناطق واسعة، والقدرة على جمع المعلومات وسرعة نقلها إلى مراكز القرار، يمكن أن تغيّر أساليب إدارة الحدود وموازين الحركة بين القوى المسلحة.
ولهذا، لا تُقاس الأهمية الاستراتيجية للمطارات بعدد المدارج وحده، بل بوظائفها، والجهات التي تمولها وتشغلها، وتتحكم في المعلومات المتدفقة عبرها.
وبالنسبة إلى تونس، تكتسب المنشآت الواقعة في غرب ليبيا وجنوبها أهمية خاصة بسبب قربها من مسارات التجارة والهجرة والتهريب، وارتباطها بالمجال الصحراوي الممتد نحو الجزائر والنيجر وتشاد.
غير أن تطوير هذه المنشآت لا يمثل، في حد ذاته، تهديدًا لتونس؛ فالمطارات قد تساهم أيضًا في الإعمار والتجارة وتحسين الخدمات. ويتوقف الأثر على طبيعة الاستخدام، والجهة صاحبة القرار، والإطار القانوني الذي تخضع له، ومدى اندماجها في مؤسسات الدولة الليبية.
لماذا تتقارب تركيا مع حفتر؟
لا يمكن تفسير هذا التقارب بعامل واحد. بالنسبة إلى أنقرة، يمثل شرق ليبيا مجالًا اقتصاديًا مهمًا لإعادة الإعمار والتجارة، كما أن العلاقة مع مؤسساته السياسية والعسكرية تتيح توسيع قنوات الاتصال الليبية.
ويأتي هذا الانفتاح أيضًا في سياق سعي تركيا إلى حماية مصالح قومية تراكمت في ليبيا وشرق المتوسط خلال السنوات الماضية، وأصبحت أكثر عرضة للضغوط مع استمرار الانقسام الليبي وتعدد القوى الإقليمية المنخرطة في الملف.
وتوجد أيضًا مسألة الاتفاق البحري التركي الليبي الموقع سنة 2019، الذي يرتبط بالخلافات حول مناطق الاختصاص البحري وموارد الطاقة في شرق المتوسط. فالاتفاق الذي أبرمته تركيا مع حكومة طرابلس يواجه اعتراضات من اليونان ودول أخرى، وتكتسب مواقف المؤسسات الليبية المختلفة منه أهمية سياسية وقانونية بالنسبة إلى أنقرة.
ومن هذه الزاوية، يصبح توسيع دائرة العلاقات داخل ليبيا بالنسبة إلى أنقرة جزءًا من محاولة تحصين مصالحها البحرية والسياسية، وعدم بقائها رهينة لموقف طرف ليبي واحد.
أما بالنسبة إلى معسكر حفتر، فإن فتح العلاقة مع تركيا يتيح تنويع الشراكات الخارجية، والحصول على فرص تعاون اقتصادي وتقني وعسكري، وتقليل الاعتماد الحصري على مجموعة محدودة من الحلفاء.
لكن وجود هذه المصالح لا يعني أن الطرفين اتفقا على جميع القضايا، أو أن تركيا أصبحت راعيًا وحيدًا لقوات الشرق. إنها علاقة جديدة تُضاف إلى شبكة قائمة، وليست علاقة تمحو، بالضرورة، كل ما سبقها.
روسيا لا تغادر ليبيا
من الأخطاء التي قد تنتج عن قراءة التقارب التركي مع حفتر افتراض أن تركيا تسعى بالضرورة إلى الحلول محل روسيا؛ فالمشهد الليبي يسمح في الوقت نفسه بتقاطع مصالح قوى متعددة وتعايش حضورها بدرجات مختلفة.
فالمؤشرات المتاحة ترسم صورة مختلفة.
أظهر تحليل نشره مشروع Tearline، التابع للوكالة الوطنية الأمريكية للاستخبارات الجغرافية المكانية، في جوان 2026، أعمال تطوير للبنية التحتية في قواعد جوية ليبية يوجد فيها حضور مرتبط بفيلق إفريقيا الروسي. وخلص الباحثون إلى أن هذه التوسعات يُرجح أن تدعم الوجود الروسي وعملياته في شمال إفريقيا والساحل. ومن ثم، فإن ليبيا لا تنتقل ببساطة من مجال نفوذ روسي إلى مجال نفوذ تركي. إنها تستوعب علاقات ونقاط ارتكاز متعددة.
فروسيا معنية بموقع ليبيا على الضفة الجنوبية للمتوسط وصلتها بالساحل الإفريقي، فيما تنظر تركيا إلى ليبيا من زاوية أمنها البحري، ومصالحها الاقتصادية، واتفاقاتها القائمة، وامتدادها نحو إفريقيا، بينما ترتبط مصر مباشرة بأمن حدودها الغربية. كما تملك الإمارات والولايات المتحدة والدول الأوروبية مصالح مختلفة في الطاقة والأمن والتسويات السياسية. ولا تتطابق هذه المصالح دائمًا، لكنها لا تتعارض في كل المجالات بالضرورة. وهذا ما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا من خرائط الحرب السابقة. فالقوى الخارجية قد تتنافس على النفوذ، وتتعاون في ملف محدود، وتقبل بتفاهمات مؤقتة في ملف آخر. وقد تجد بعض الأطراف الليبية نفسها قادرة على إقامة علاقات مع أكثر من دولة كانت تُصنّف، في السابق، ضمن معسكرات متعارضة.
مصر وتركيا: إدارة التنافس بدل تحويله إلى مواجهة دائمة
يظهر التحول نفسه في العلاقة المصرية التركية. فالقاهرة، التي كانت تنظر إلى التدخل العسكري التركي في ليبيا من زاوية مصالحها الأمنية غربًا، طورت خلال السنوات الأخيرة علاقاتها مع أنقرة.
وفي 27 جوان 2026، أعلنت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية توقيع بروتوكول للتعاون العسكري بين البلدين، يتضمن أنشطة مشتركة وتبادلًا للخبرات، وذلك في ختام أعمال لجنة التعاون العسكري المصرية التركية.
ولا يعني هذا التطور اختفاء الخلافات بشأن ليبيا وشرق المتوسط أو غيرهما. لكنه يدل على أن الطرفين أصبحا يمتلكان قنوات للتنسيق العسكري والدبلوماسي إلى جانب مجالات التنافس.
والفارق كبير بين نظام إقليمي لا يتواصل فيه الخصوم إلا عبر وكلائهم، ونظام يستطيعون فيه التواصل المباشر وإدارة بعض خلافاتهم. غير أن وجود قنوات اتصال لا يضمن النجاح في تسوية الأزمة الليبية؛ فالقرار لا تملكه القوى الخارجية وحدها، كما أن المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية للقوى الليبية نفسها لا تزال مختلفة.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت تركيا ومصر ستتوصلان إلى تفاهم، بل كيف يمكن أن ينعكس أي تفاهم خارجي على بناء مؤسسات ليبية موحدة وخاضعة للمساءلة.
ليبيا بين الاستقرار المعلن والانقسام المستمر
هنا نصل إلى المفارقة التي ينبغي ألا تحجبها صور اللقاءات الدبلوماسية. قد تتقارب القوى الإقليمية مع أطراف النزاع، بينما تستمر الانقسامات الداخلية.
وقد تتوسع مشاريع الإعمار، بينما تبقى المؤسسات العسكرية والمالية والسياسية موزعة بين مراكز سلطة مختلفة.
وفي 30 أوت 2026، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باتفاق يعالج بعض العقبات المرتبطة بتشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية. وحدد الاتفاق أفقًا لإجراء الانتخابات في مدة لا تتجاوز أربعة وعشرين شهرًا.
ثم أكد مجلس الأمن، في 8 سبتمبر، أهمية تنفيذ الاتفاق، ودعا إلى مواصلة العمل لتوحيد المؤسسات، في إطار عملية سياسية ليبية شاملة.
وتوضح هذه التطورات أن التقارب الإقليمي لا يمكن اعتباره بديلًا عن التسوية الداخلية.
وقد تتباين نتائج التدخلات الخارجية بحسب طبيعتها؛ فهي قد تتيح الوساطة أو التمويل أو تخفيف التوتر، لكنها قد تعزز أيضًا مراكز السلطة المنفصلة إذا لم ترتبط بمسار مؤسسي جامع.
ولا ينبغي إغفال الوضع المعيشي داخل ليبيا نفسها. ففي سبتمبر 2026، عادت أزمات الكهرباء والوقود إلى الواجهة، في مفارقة تعكس صعوبة تحويل الثروة النفطية إلى خدمات مستقرة للمواطنين.
وبذلك، لا يقتصر السؤال الليبي على توزيع النفوذ بين الخارج والداخل، بل يتعلق أيضًا بقدرة الدولة على إدارة مواردها وتوفير الخدمات وبناء شرعية مؤسساتها.
ماذا تعني هذه التحولات لتونس؟
لا تستطيع تونس النظر إلى ليبيا باعتبارها مجرد مصدر للمخاطر. فليبيا أيضًا شريك تجاري، وسوق للمؤسسات والخدمات، وامتداد اجتماعي وبشري للمناطق الحدودية، ومعبر محتمل نحو إفريقيا.
ولذلك، تواجه السياسة التونسية إزاء ليبيا معادلة مزدوجة: تقليل أثر الاضطرابات الأمنية، والاستفادة من فرص التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وقد شهد أفريل 2026 إعلان تونس التحضير لمشروع ممر تجاري قاري بالتنسيق مع ليبيا، ينطلق من رأس جدير باتجاه العمق الإفريقي. كما يجري العمل على تطوير وظيفة المعبر في إطار تكامل اقتصادي أوسع بين تونس وليبيا والجزائر.
وهنا تتغير زاوية النظر. يمكن أن تكون الحدود فضاءً للمراقبة والحماية، لكنها تستطيع أيضًا أن تصبح مجالًا للإنتاج والتبادل والاستثمار إذا توفرت البنية التحتية والقواعد القانونية والاستقرار.
وقد تتحول بن قردان ومدنين وتطاوين وجرجيس إلى نقاط اتصال اقتصادية مع ليبيا وإفريقيا، بما يخلق صلة مباشرة بين السياسة الخارجية والتنمية الجهوية. لكن تحويل هذه الإمكانية إلى واقع يقتضي حل مشكلات النقل والجمارك والتأمين والاستثمار والتنسيق الأمني. وبذلك يتبين أن السياسة الليبية لتونس ليست شأنًا دبلوماسيًا منفصلًا عن السياسة الاقتصادية والتنموية.
عندما تتغير الخريطة ولا تتحرك الحدود
أخطر التحولات الجيوسياسية ليست دائمًا تلك التي تعيد رسم الحدود على الخرائط. أحيانًا تبقى الحدود في مكانها، لكن معنى الجغرافيا يتغير بالكامل.
وهذا ما نراه في ليبيا. فطرابلس وبنغازي ما تزالان مركزين لسلطتين ومؤسسات متنافسة. لكن تركيا، التي ارتبطت سابقًا بمعسكر الغرب، أصبحت تقيم علاقات مع الشرق أيضًا، في تحول يعكس انتقالها من سياسة الارتباط بطرف واحد إلى سياسة أوسع هدفها حماية مصالحها والمحافظة على هامش حركة، مهما كان الشكل النهائي للتسوية الليبية. وفي الوقت نفسه، تحتفظ روسيا بحضورها، ومصر تطور علاقاتها مع تركيا، فيما تتجدد محاولات التسوية الأممية وتستمر الأزمات المؤسسية والاقتصادية. إنها شبكة معقدة من المصالح والتفاعلات، وليست مجرد مواجهة بين حلفين ثابتين.
وفي داخل هذه الشبكة، لا يمكن فهم التحرك التركي باعتباره بحثًا عن توسيع الحضور فحسب، بل أيضًا باعتباره محاولة لحماية مصالح قومية واقتصادية وبحرية أصبحت أكثر حساسية في ظل تغير موازين القوى في شرق المتوسط وشمال إفريقيا.
وبالنسبة إلى تونس، تقدم هذه الصورة درسًا أساسيًا: لا يكفي فهم الأطراف وفق تحالفات الأمس، بل ينبغي متابعة تغير علاقاتها ووظائفها وقدراتها. فليبيا لا تقع فقط شرق تونس؛ إنها نقطة التقاء بين المتوسط والساحل والصحراء، وأحد الممرات التي تنتقل عبرها التحولات الإقليمية إلى بلادنا.
ومن هنا، يصبح الانتقال إلى الجبهة الغربية والجنوبية ضروريًا لفهم الصورة كاملة. فإذا كانت ليبيا تكشف كيف تتداخل شبكات المصالح والنفوذ في الشرق، فإن الجزائر والمغرب والساحل تكشف كيف يتحول التنافس على الجغرافيا من السيطرة العسكرية إلى الصراع على الطرق والموانئ والطاقة والعمق الإفريقي.
==
تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


