تقديم مسارات
تنشر مسارات حضارية هذه الدراسة البحثية المستجدة للدكتور صالح الأعجيلي، والتي كُتبت خصيصًا للمنصة، وتعيد فتح ملف تاريخي قليل التداول حول الصلات المحتملة بين السكان الأصليين في أمريكا والحضور الإسلامي المبكر في القارة الأمريكية، من خلال تتبّع سيرة محمد ويونومون، زعيم قبيلة الموهيغن، ودلالة اسم «محمد» في سياقه التاريخي.
وتطرح الدراسة جملة من الأسئلة والفرضيات بشأن مدى معرفة بعض قبائل السكان الأصليين بالإسلام، وصلاتها المحتملة بالمسلمين الوافدين إلى القارة، سواء عبر الأفارقة المستعبدين أو عبر أشكال أسبق من التواصل عبر الأطلسي، من دون تقديم هذه الفرضيات باعتبارها حقائق نهائية محسومة. ويذهب الكاتب إلى أن هذه الإشارات تستحق مزيدًا من البحث وإعادة النظر في تاريخ العلاقة بين الإسلام والسكان الأصليين في أمريكا.
وتستند هذه الدراسة إلى مادة بحثية أوسع وثّقها المؤلف في كتابه «مكة في أمريكا»، المرتقب صدوره قريبًا في تونس.
د. صالح الأعجيلي
باحث بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس
يصادف 11 أغسطس/ آب من سنة 2026 الذكرى 290 لوفاة محمد ويونومون Weyonomon Mahomet. تُوفي زعيم قبيلة الموهيغن الواقعة على الساحل الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة الأمريكية، غريبًا في قبر غير مميز في لندن سنة 1736 بعد عدوى بمرض الجدري أصابته بعد أيام قليلة من قدومه إلى عاصمة إنجلترا حاملًا شكوى قومه من تعدّي المستوطنين الإنجليز على أراضي قبيلته التاريخية.
دُفن محمد ويونومون خارج لندن باعتباره غريبًا عنها، ولكن بعد 270 عامًا يُعاد الاعتبار لهذا الزعيم القبلي الأصلي، وذلك بوضع نصب تذكاري في كاتدرائية ساوثوورك Southwark Cathedral بالعاصمة البريطانية لندن. حضرت الملكة إليزابيث الثانية في 22 نوفمبر 2006 مراسم الكشف عن النصب التذكاري، وهو صخرة جرانيتية من أراضي قبيلة موهيغان من عمل النحات بيتر راندال بيج Peter Randall-Page، وحضر أيضًا سفير الولايات المتحدة وبعض رجال الدين يتقدمهم رئيس أساقفة كاتدرائية ساوثوورك، كما حضر زعيم قبيلة الموهيغان وبعضًا من أفراد قبيلته حيث قاموا بمراسم جنازة تقليدية.
تنسب الكثير من المراجع محمد ويونومون ابنًا لأوينيكو بن أنكاس، الزعيم القبلي الذي يُعتبر من أشهر حلفاء إنجلترا في الأراضي الأمريكية، ولكن المفاجأة تأتي من مصدر معاصر لمحمد ويونومون كتبه تالكوت، حاكم مستوطنة كونيتيكت الإنجليزية، حيث تجعله حفيدًا لأوينيكو من ابن تُوفي قبل وفاته. ما يثير الدهشة أنّ ابن أوينيكو اسمه أيضًا محمد، مما سهّل حالة الالتباس في النسب عند بعض المراجع. إنه إذن محمد بن محمد بن أوينيكو بن أنكاس.
وُلد محمد الأب حوالي سنة 1657 ووُلد محمد الابن حوالي سنة 1700، وهو الحفيد الذكر الوحيد لأوينيكو.
نشأ محمد واعيًا بوضعه الاجتماعي، فهو حفيد الزعيم الوحيد وابن الزعيم المفترض لولا وفاته. وإذا كان سنّه عند تولي عمّه قيصر الزعامة لا يسمح له بالمنافسة، فإنه بمجرد وفاة قيصر تنافس مع عمّه بنيامين الذي يفتقد إلى الدم الملكي من جهة الأم. دعم حاكم المستوطنة بنيامين المعروف بالرائد بِن. ولئن صمت محمد إزاء تولي بنيامين الزعامة لاعتبارَي السن ونسب عمه المباشر بالمؤسس أنكاس، فإنه لم يكن ليصمت إزاء تمرير زعامة القبيلة إلى ابن عمه بن أنكاس الثاني للاعتبارات السابقة ولما أقدم عليه بن أنكاس الثاني من التفريط في أرض القبيلة للإنجليز المستوطنين.
تحكي المصادر أن فترة زعامة بن أنكاس الثاني حتى وفاة محمد في إنجلترا لم تكن مستقرة، فقد كان زمنًا للتنازع على الزعامة، ساند حاكم المستوطنة بن أنكاس الثاني وساند جمهور قبيلة الموهيغن محمد.
لم يكن محمد من عظماء قبيلة الموهيغن بل كان زعيمًا بمعنى رئيسًا لها. ورغم عدم اعتراف المؤرخين بزعامة محمد فلم يذكروه في مسرد الزعماء التاريخيين، فإن الذاكرة الشعبية قد احتفظت به زعيمًا للشعب الموهيغني في صراعه مع المستوطنين الإنجليز المغتصبين لأراضي القبيلة والمهددين لعادات القبيلة ومعتقداتها.
سافر محمد ويونومون إلى إنجلترا مثلما سافر جده من قبل أوينيكو لمحاولة رفع مظالم المستوطنين على القبيلة، مرسخًا نفسه زعيمًا أوحد للقبيلة في مقابل خذلان بن أنكاس الثاني لقبيلته بإمضائه على اتفاقية تقنن عملية الاستيلاء على أراضي القبيلة وبإعلان دخوله المسيحية بعد أن استتب له الحكم إثر وفاة محمد في إنجلترا.
كان رد القبيلة عنيفًا، فقد رفعوا إلى المحكمة دعوى بعدم قانونية الاتفاقية وأنكروا عليه اعتناقه للمسيحية التي تلوثت بمظالم المستوطنين المنتسبين إليها، وقام عمه بمنازعته الشرعية في زعامة القبيلة.
ومن طريف ردود الحاكم تالكوت أمام المحكمة على طلب الحجر على بن أنكاس الثاني وعدم شرعية الاتفاقية استناده إلى الرسالة التي تقدم بها محمد ويونومون لملك إنجلترا باعتباره الزعيم الشرعي لقبيلة الموهيغن الذي يملك على الحقيقة كل أراضي القبيلة وهو المتصرف فيها، بمعنى آخر فقد اعترف ضمنًا بزعامة محمد ويونومون.

نصب تذكاري لمحمد ويونومون
أصل اسم محمد في قبيلة الموهيغن
ثمة خلاف في أصل هذه الكلمة لغويًا فضلًا عن أصلها التاريخي، فقد زعم تالكوت أن اسم زعيم الموهيغن هو: ماموهيت Mamohet، أو ييومانوم Yeomanum، أو ماهومينوم Mahominum، ولكن غلب عليه اسم محمد Mahomet.
لا يساعدنا البحث التاريخي في إثبات هذا الادعاء فلم أجد أحدًا من أفراد قبيلة الموهيغن يتسمى بتلك الأسماء التي زُعم أنها أصلًا لاسم محمد، هذا إضافة إلى أنّ الزعيم محمد ويونومون لم يُمض على أي وثيقة إلا باسم محمد بما فيها تلك الوثيقة التي سلمها لملك إنجلترا، بل إن المحاكم التي لجأ إليها محمد ويونومون لم تذكره إلا باسم محمد.
يذكرني هذا الادعاء في أصل الاسم بادعاءات الحكومة الأمريكية حين صياغة معاهدتها مع قبيلة مكة، فقد أصرت أن تطلق على القبيلة اسم سالش باعتباره الاسم الحقيقي للقبيلة، مدعية أنّ مكة اسم أطلقته القبائل الأخرى على القبيلة وأنه تحريف في تهجية الاسم الأصلي.

وأمام الاختلاف التام في تهجية كلمتي مكة وسالش، مما يجعل توالد الواحد من الآخر صوتيًا مستحيلًا، وأمام إصرار قبيلة مكة على اسم مكة إلى يومنا هذا وتسمية كل ما يتعلق بالقبيلة باسم مكة (مهرجان مكة، متحف مكة، محمية مكة...) ندرك القدر الهائل في ليّ عنق تاريخ القبائل الأصلية.
سمّى أوينيكو ابنه محمدًا في زمن حياة المؤسس أنكاس دون اعتراض أنكاس أو استغراب من أفراد القبيلة، ثم سمّى محمد بن أوينيكو ابنه محمدًا. كان محمد بن محمد بن أوينيكو زعيمًا مثقفًا يجيد أكثر من لغة منها الإنجليزية واللاتينية، ويتبنى قضايا قبيلته ملتحمًا مع تطلعاتها، فلا غرو أن يشتكي حاكم مستوطنة كونيتيكت Connecticut من التفاف أهل القبيلة على الزعيم محمد وسرعة استجابتهم له، ولا غرو أنّ الزعامة الشعبية كانت له، وهو مفهوم الزعامة الشرعية التي صرح بها محمد عند تقديم نفسه في رسالته إلى ملك بريطانيا العظمى عند ذهابه إلى إنجلترا.
وهي صنو الزعامة التي أقرّتها اللجنة الملكية لجده أوينيكو ولأبيه محمد خليفة له بعد أبيه، وذلك عندما رحل الزعيم أوينيكو لرفع مظالم القبيلة إلى الملكة في إنجلترا، هذه الزعامة التي لم تنسبها اللجنة إلى بن أنكاس الثاني وتعترف له بها إلا بعد وفاة الزعيم محمد بسنتين، أي سنة 1738.
ذلك الإقرار الذي حسم معركة الزعامة بين بن أنكاس الثاني ومحمد والتي استند إليها المؤرخون الذين أقصوا الزعيم محمد من سلسلة زعماء قبيلة الموهيغن، في حين أنها إقرار بالزعامة بعد موت الخصم حيث لم يعد للقرار أثر فعلي، وهو ما عبّر عنه حاكم مستوطنة كونيتيكت نفسه بالقول:
«إن إصدار مثل هذه اللجنة لن يكون له أي تأثير في إثارة أي سؤال أو نزاع حول ما إذا كان بن أونكاس أو محمد هو الزعيم الحقيقي، حيث إن هذه المسألة قد أصبحت في سبات بعد وفاة محمد».
لقد كان الزعيم محمد ملهمًا حتى لعدد كبير من المستوطنين الذين كانوا يساندون قضية قبيلة الموهيغن لأسباب مختلفة بعضها اقتصادي وبعضها سياسي، ولذلك فقد انتشر اسم محمد في أكثر من مجال، من ذلك مثلًا تسمية قريتين ومكتب بريد باسم محمد تأثرًا بشخصية الزعيم الموهيغني محمد على أشهر الأقوال.
تقع قرية محمد Mahomet في مقاطعة شامبين Champaign من ولاية إلينوا، وتقع القرية الثانية في مقاطعة بورنيت الشرقية Burnet eastern من ولاية تكساس.
ثمة تداخل عند المؤرخين بين تأثير الزعيم القبلي محمد وبين تأثير نبي الإسلام محمد في تسمية قرية محمد بمقاطعة شامبين على الأقل، بينما ثمة إجماع عن تسمية المحفل الماسوني بمدينة محمد في مقاطعة شامبين Champaign باسم محمد نبي الإسلام.
هل كان محمد ويونومون مسلمًا؟
لا يذكر المؤرخون عن عقيدة الزعيم محمد شيئًا، كما لا يذكرون شيئًا عن عقيدة أبيه محمد ولا عن عقيدة جده أوينيكو ولا حتى عقيدة الزعيم/الساشيم المؤسس أنكاس (لاحظوا التقارب الصوتي بين الكلمتين: الزعيم والساشيم).
ما يذكرونه هو عقيدة القبيلة عمومًا وهي عقيدة إحيائية. «يؤمن الموهيغان بـ"غونشي موندو" (الروح العظيمة)، إلى جانب كائنات روحية أدنى مثل "ويوت موندو" (روح النار) و"تشيباي وونكسيس" (نار الثعلب)» بحسب المؤرخين والأنثروبولوجيين الأمريكان.
ويحسن بنا أن نذكر بالمؤثرات الخارجية في قبيلة الموهيغن. فإذا كانت الكنيسة أحد أهم اللاعبين في هذا المجال لارتباطها بعقيدة المستوطنين، فإن المسيحية لم تكن الوحيدة في هذا المجال.
فإذا كان موقع قبيلة الموهيغن الجغرافي جعلها متأثرة بأولى موجات الاستيطان في أمريكا الشمالية فإنها كذلك كانت من أولى القبائل تعرفًا على موجات وصول العبيد.
كانت حركة بيع العبيد على أشدها منذ القرن السادس في أمريكا، وكانت أفريقيا المصدر الأساس لهذه التجارة وكانت ديانة هؤلاء الأفارقة المستعبدين إما الوثنية أو الإسلام.
وكان يتميز الأفارقة المسلمون المستعبدون بأنهم مثقفون يحسنون الكتابة والقراءة ويتمتعون بقدر كبير من الإحساس بالحرية، ولذلك كانت أولى ثورات العبيد توقًا إلى التحرر ثورات قام بها مستعبدون مسلمون.
وقد بينت الوثائق التاريخية تمسكًا من هؤلاء العبيد بدينهم الإسلامي، كما بينت الوثائق سعيًا محمومًا من المستوطنين إلى تمسيحهم والتضييق عليهم؛ فغيروا أسماءهم الإسلامية ومنعوهم من ممارسة شعائرهم الدينية وحرّموا عليهم قراءة القرآن والتحدث أو الكتابة بالعربية أو بلغاتهم الأفريقية التي كانت تُكتب بالحروف العربية وكانت غنية بالمفردات العربية.
لقد بيّنت العديد من الدراسات في هذا الشأن أنّ وجود العبيد المسلمين والسكان الأصليين في خانة واحدة من الاضطهاد والأذية الحاصلة من البيض المستوطنين قد دفعهم إلى التحالف الذي يفتح الباب مشرعًا للتثاقف والتزاوج والتأثير المتبادل بين الطرفين في مختلف المجالات بما فيها العقائدي.
من المؤكد أنّ قبيلة الموهيغن قد تعرفت على الإسلام في شخوص المسلمين المستعبدين، كما تعرفت على المسيحية في شخوص المستوطنين الأوروبيين، يبقى مدى اتساع هذا التعرف على الإسلام والظروف الحافة به موضع سؤال. لا تسعفنا الوثائق الرسمية ولا ملاحظات المؤرخين بشيء ذي بال، بل نشعر في كثير من الأحيان بإرادة في طمس أحداث تاريخية بعينها تفترضها الوقائع الباقية.
نفترض ابتداءً أنّ اسم «محمد» هو اسم أصلي ليس له صلة بالتقليبات الصوتية استنادًا لتشبث صاحبه به في كل تعاملاته وكذلك استنادًا لتسمية الجهات الرسمية.
كما نفترض أنّ هذا الاسم «محمد» ليس من التقاليد الاسمية لقبيلة الموهيغن لعدم وجود شخص من عائلة الزعيم أو شخص من عموم القبيلة، وهو اسم له دلالة دينية إسلامية تعود إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.
هذا الافتراض القائم على عدم وجود مثيل له في أسماء أفراد القبيلة يدفعنا إلى البحث عن مصدر هذه التسمية التي تفترض إسلام صاحبها، وقد بينا أنّ أقرب مصدر محتمل هو المسلمون المستعبدون.
لا يبعد أن تكون هذه التسمية دليلًا على إسلام من سماها، ونقصد بذلك محمد الأب وكذلك الزعيم أوينيكو ابن الزعيم المؤسس أنكاس.
وإذا كانت ولادة محمد بن أوينيكو في حدود سنة 1657 فقد يكون ذلك تاريخًا غير بعيد من تعرفه على هذا الاسم وعلى عقيدة الإسلام وتبنيها.
هذا الافتراض يجعلنا نتساءل عن موقف زعيم الموهيغن حينها، ونقصد بذلك الزعيم أنكاس، فهل كان راضيًا على هذا التغير العقائدي لابنه أوينيكو؟ وهل في قراره بتوريث الزعامة لأوينيكو دلالة على رضاه بهذا التحول الديني لابنه الزعيم المستقبلي لقبيلة الموهيغن؟ هل نشأ محمد بن أوينيكو مسلمًا؟ وهل في تسمية ابنه البكر الذي ولد حوالي سنة 1700 باسم «محمد» تأكيد على هذا الانتماء العقدي الإسلامي؟
لماذا لم تثر هذه التسمية حفيظة قبيلة الموهيغن؟ هل بسبب تقبل القبيلة لهذا الدين باعتناق بعضهم له وتسامح بعضهم الآخر معه؟
هل كان فشل الكنيسة المتكرر في تثبيت المسيحية بين أفراد قبيلة الموهيغن بسبب تفشي الإسلام بينهم أم بسبب حفاظهم على معتقداتهم الإحيائية التقليدية؟
هل كان الصراع بين محمد وبن أنكاس الثاني صراع زعامة صرف أم له تعلق بالانتماء الديني للزعيمين، خاصة أنّ بن أنكاس الثاني تربى تربية كنسية جعلته يتبنى عادات المستوطنين ولباسهم، انتهت به إلى إعلانه سنة 1738 ـ بعد وفاة الساشيم/الزعيم محمد وخمول معركة الزعامة بوفاته ـ اعتناقه المسيحية وسط غضب شعبي من غالبية قبيلة الموهيغن وامتعاضهم من هذا الانتماء العقدي الملوث بمظالم المستوطنين المسيحيين في حق القبيلة وممتلكاتها؟
هل كان إقصاء المؤرخين للزعيم محمد من سلسلة زعماء الموهيغن، برغم كل الدلائل على صحتها، إقصاء متعمدًا بسبب دلالة الاسم الدينية فضلًا عن الانتماء العقائدي الإسلامي للساشيم محمد؟
أسئلة تحتاج إلى إعادة نظر في تاريخ علاقة السكان الأصليين في أمريكا بالإسلام، علاقة يزعم البعض من خلال إشارات تاريخية وآثار مكتشفة حديثًا أنها موغلة في القدم إلى ما قبل قدوم المستوطنين الأوروبيين التي دشنها كولومبوس في نهاية القرن الخامس عشر، يدعمها في دراستنا موقع قبيلة الموهيغن وفيه ملاحظات سريعة.
ما يمكن ملاحظته في هذا الشأن هو موقع قبيلة موهيغان والقبيلة الأم المنفصلة عنها في خريطة القارة الأمريكية، فهي على الساحل الشرقي للقارة المقابل للمحيط الأطلسي، وهو موقع يسمح بأن يكون مكان استقبال مباشر للوافدين من الضفة المقابلة للمحيط، فالموقع يقع على طريق تيارات الرياح المسيطرة.
ونلمح إلى إمكان أن يكون الوجود الإسلامي الأفريقي والأندلسي في القارة الأمريكية السابق لوجود المستوطنين الأوروبيين البيض ـ وهو تواجد تدعمه الشواهد تترى ـ أداة لتفسير وجود الإسلام في قبائل السكان الأصليين وبالاستلزام وجود أسماء عربية ذات طابع إسلامي تتسمى بها القبائل والمدن والأماكن والإنسان مما نحن بصدده.
فقد ذكرت الدوقة لويزا في كتابها المرجعي «أفريقيا مقابل أمريكا» أدلة كثيرة موثقة تثبت وجود المسلمين في أمريكا قبل كولومبوس، ونكتفي هنا بوثيقتين، إحداهما وثيقة مؤرخة في 14 فبراير 1502، تُظهر موافقة الملك والملكة على طلب كولومبوس بأخذ شخص أو شخصين يعرفون اللغة العربية كمترجمين في رحلته الرابعة.
والثانية تشريع الإمبراطور كارلوس الخامس سنة 1540 الذي يحتوي على قرار يمنع استعباد «المحمديين الأصليين» (naturales mahometanos) في الهند (أمريكا) الذين دانوا بالولاء للتاج الملكي، إلا أن التشريع وضع استثناءً صريحًا يسمح باستعباد من يمارس الدعوة للإسلام، أو من يثبت أنه من «رعايا الشريف» (Vasallos del Xarife) ملك المغرب.
هذا النص يثبت وجود روابط ولاء سياسي عابر للأطلسي بين سكان أمريكا والعرش المغربي، ويُعد اعترافًا رسميًا بوجود سكان مسلمين أصليين هناك.
ولا يخفى أنّ الوجود الإسلامي يعني وجود التسميات الإسلامية للبشر والمكان، ومن تلكم الأسماء بلا شك اسم محمد، أحد الأسماء المفضلة عند المسلمين.
لقد تحدث باري فيل Barry Fell في كتابه America Saga عن اكتشاف نقود إسلامية مختلفة الأشكال والنقوش ضُرب بعضها في المشرق الإسلامي وبعضها في المغرب الإسلامي تعود إلى القرون الوسطى، يعود بعضها إلى بداية القرن العاشر ميلادي، وذلك أثناء شق طريق بين كامبردج ومالدن بولاية ماساشوستس، مما يعني تعاملًا تجاريًا لمنطقة نيو إنجلاند متواصلًا في الماضي مع العالم الإسلامي واطلاعًا على دينه وقيمه، إذ كان التجار المسلمون دعاة باللسان وبالسلوك الأخلاقي الراقي عند التعامل المالي.
ولعل توق عالم الآثار الأمريكي باري فيل يمثل الطوق الذي يربط اسم محمد بتاريخ السكان الأصليين في أمريكا قبل كولومبوس: «وإني لأتوق لليوم الذي يتسلق فيه زملائي العرب جبال سيرا Sierra لزيارة الوهاد المعلقة حيث اسم النبي [محمد] يوجد منحوتًا على صخرة أمريكية على أيدي بحارة اهتدوا إلى السلامة هناك منذ زمن بعيد».


