جنّات بن عبد الله: كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي
أثار التصنيف الأخير الصادر عن وكالة فيتش للتصنيف الائتماني بشأن تونس، بتاريخ 8 سبتمبر 2026، ردود فعل متباينة في الساحة التونسية، حيث ثبّتت الوكالة التصنيف السيادي طويل المدى لتونس عند «B-» مع نظرة مستقبلية مستقرة.
ففيما اعتبرت بعض الأطراف أن هذا التصنيف جاء مجاملة للسلطة السياسية بعد تسديدها أقساط القروض المستحقة عليها في آجالها خلال شهر جويلية 2026، بقطع النظر عن مصادرها، ترى أطراف أخرى أن بيان وكالة فيتش رسم نظرة مقلقة للوضع الاقتصادي خلال الفترة القادمة، بالنظر إلى طبيعة الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها الاقتصاد التونسي، والتي ذكرها البيان.
ولعل السبب الرئيسي لهذا التباين مردّه الأحداث التي تمر بها بلادنا منذ شهر جويلية الماضي إلى اليوم، والمتعلقة بانقطاعات الكهرباء والماء وما تسببت فيه من خسائر وآثار صعبة على جميع المستويات.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن التصنيف الائتماني السيادي لوكالة فيتش هو تصنيف يهتم بقياس مدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وتسديد ديونها في الآجال المحددة للمانحين والمقرضين الدوليين. لذلك، يكون التركيز الأساسي في هذا التصنيف على المؤشرات المالية والاقتصادية المتعلقة بحجم الدين العمومي، وعجز ميزانية الدولة، والعجز التجاري والعجز الجاري، والنمو الاقتصادي، فيما يأتي الاهتمام بالملف الاجتماعي والسياسي في الدرجة الثانية، وتحديدًا من زاوية تأثيره في المؤشرات المالية والاقتصادية.
أما الشق الذي يبدو متفائلًا في هذا البيان، فيتعلق بتثبيت التصنيف في مستوى «B-»، الذي يعكس وجود قدرة مالية على تسديد الديون الخارجية في ظل ظروف مستقرة، ولا يهدد بالسقوط في الدرجة الأدنى، وهي «C»، التي تقر بوجود مخاطر ائتمانية حقيقية وعالية، بما يجعل إمكانية التخلف عن التسديد واردة.
فقد تمكنت تونس، في 15 جويلية 2026، من تسديد أكبر قسط من ديونها الخارجية المستحقة لسنة 2026، بقيمة 2.4 مليار دينار، أي نحو 740 مليون أورو، وذلك بالاعتماد على الاقتطاع مباشرة من الموجودات الصافية من العملة الصعبة لدى البنك المركزي. وتتغذى هذه الموجودات أساسًا من عائدات السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج، في ظل تراجع الصادرات التونسية وغياب مصادر ذاتية لميزانية الدولة من العملة الصعبة.
هذا التمويل المباشر من البنك المركزي لا يخلو من مخاطر على الاستقرار النقدي والمالي للبلاد، وهو الخيار الذي اتبعته تونس في إطار ما يسمى بشعار «التعويل على الذات»، والذي بمقتضاه التزم البنك المركزي بتمويل ميزانية الدولة، وفق قانون المالية لسنة 2026، في حدود 11 مليار دينار، على حساب تمويل الاقتصاد التونسي، للسنة الثالثة على التوالي.
تجفيف موارد العملة الصعبة
فقبل دخول صندوق النقد الدولي على الخط وتنفيذ برنامج الإصلاحات الهيكلية سنة 1986، الذي يفرض اتباع سياسة تقشف صارمة تتجسد من خلال عدة آليات، من ضمنها تخلي الدولة عن دعم المؤسسات العمومية، كانت الدولة تتمتع بموارد ذاتية مهمة من العملة الصعبة.
برنامج الإصلاحات الهيكلية يقف، بحسب هذا التحليل، وراء تجفيف هذه الموارد الذاتية للدولة من العملة الصعبة، المتأتية من المؤسسات العمومية المقيمة بالكامل، مثل شركة فسفاط قفصة، والمجمع الكيميائي، والشركة التونسية للكهرباء والغاز، والمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، والشركة التونسية لصناعات التكرير، والخطوط التونسية، والشركة التونسية للملاحة، لتتحول كل هذه المؤسسات إلى عبء مالي ثقيل على الدولة. وقد رسم صندوق النقد الدولي مستقبلها منذ سنة 1986، وهو التفريط فيها، بعد إضعافها، لصالح الشركات الأجنبية على المديين المتوسط والطويل، سواء عن طريق الخصخصة الكاملة أو الجزئية، من خلال نظام اللزمات.
فما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي، ويتبناه عدد من المختصين والمحللين التونسيين ويدعون إلى الإسراع في تنفيذه، هو في آخر المطاف، وفق هذا التصور، سيناريو لتدمير دور الدولة ومواردها المالية، ممثلة في المؤسسات العمومية، وتفكيكها وسحب مقومات سيادتها.
ورغم تواصل تراجع المؤشرات المالية والاقتصادية والاجتماعية، يصر صندوق النقد الدولي وأنصاره في تونس على أن الإصلاحات الهيكلية هي الأقدر على إنقاذ البلاد من الأزمة الاقتصادية. وهذا الإصرار يستند إلى العقيدة الليبرالية التي تقوم على دور القطاع الخاص الذي يجب أن يتسع على حساب دور الدولة.
والمفارقة في الحالة التونسية أن القطاع الخاص بقي هشًا ويعوّل على الدولة، التي انخرطت في سياسة تقشف تضرب دورها التنموي والاجتماعي والاقتصادي، ليخسر نسيجنا الاقتصادي القطاعين معًا، ولينحصر دور القطاع الخاص في المجال الريعي، ودور الدولة في توفير اعتمادات خدمة الدين لتسديد قروض المؤسسات المالية الدولية وبقية المانحين الدوليين، عبر التقليص من بقية نفقات الميزانية:
. من أجور، عبر تجميد الأجور والانتدابات؛
. ومن دعم، عبر سياسة رفع الدعم؛
. ومن مشاريع عمومية، عبر التفويت في المؤسسات العمومية.
إن الصعوبات المالية الهيكلية التي تعيشها ميزانية الدولة اليوم هي نتيجة هذه الإصلاحات التدميرية لبرنامج الإصلاحات، التي تستهدف سياسة المالية العمومية من جهة، ونتيجة التحرر الاقتصادي والانفتاح عبر اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، التي حرمت ميزانية الدولة ما بين 20 و25 بالمائة من الموارد الجمركية، بسبب تفكيك المعاليم الجمركية على الواردات، من جهة ثانية.
نظرة مستقبلية لا تنفي التدحرج
وبالعودة إلى بيان وكالة فيتش، فإن عدم تخلف تونس عن تسديد أقساط الديون الخارجية في آجالها ضمن بقاءها في مستوى «B-». وتحقق ذلك بفضل البنك المركزي، في غياب الموارد الذاتية بالعملة الصعبة لميزانية الدولة، التي أمّنت، إلى حد شهر جويلية، ما يعادل 83 بالمائة من 7.9 مليار دينار، إجمالي الدين الخارجي.
هذا التثبيت، الذي استند أساسًا إلى العوامل المالية، لم يحجب عن وكالة فيتش حقيقة المخاطر الهيكلية التي تواجهها البلاد، والمتعلقة بحجم عجز ميزانية الدولة، وحجم الدين العمومي، والعجز الجاري، ونسبة التضخم. وكلها عوامل تجعل الوضع المالي، بحسب فيتش، تحت السيطرة مؤقتًا، لكنه يراوح مكانه في منطقة المخاطر العالية «B-»، وهو ما استحق تقييمًا بنظرة مستقبلية مستقرة لا تنفي وجود مخاطر تهدد بالتدحرج نحو تعثر تسديد الديون الخارجية.
ومن وجهة نظرنا، لا نبالغ إذا قلنا إن التهديد بوجود مخاطر تعثر في تسديد الديون الخارجية على المدى المتوسط لا يعود إلى عجز القدرات الذاتية للاقتصاد الوطني، بل إلى طبيعة الخيارات التي فرضت على البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي من المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وفيما بعد الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي منذ الثمانينيات.
أما والبلاد غارقة في أزمة مالية يترجمها، خصوصًا، عجز ميزانية الدولة، وتفاقم عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، فإن التدحرج نحو العجز عن تسديد الديون الخارجية لا مفر منه، وفق هذا التحليل، فهو نتيجة حتمية لمثل هذه الخيارات، يتم ترحيلها كل مرة بقروض أوروبية تسقط على تونس بالتنسيق بين المؤسسات المالية الدولية والأوروبية، في إطار استراتيجية إحكام قبضة التبعية.
شروط ترحيل التدحرج
في باب ميزانية الدولة، المسؤولة عن تنفيذ سياسات الدولة الجبائية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، فإن العجز المتوقع لسنة 2026 قُدّر في حدود 6.4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة عالية مقارنة بالمعايير الإقليمية والدولية، والتي يجب ألا تتعدى 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقد ضُبطت هذه النسبة على أساس الموارد المتاحة لميزانية الدولة، من موارد ذاتية متأتية من الجباية، واقتراض داخلي وخارجي من جهة، ونفقات الدولة من جهة ثانية.
المنهجية المتبعة في بلادنا عند ضبط الميزانية هي العمل على تأمين اعتمادات خدمة الدين الخارجي، وما تبقى من موارد، وهي فتات، يُوزّع على بقية نفقات الدولة، الموزعة طبعًا حسب برنامج الإصلاحات، الذي يرمي، عبر سياسة تقشفية صارمة، إلى الضغط على هذه النفقات المتبقية، مهما كانت التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، من كتلة أجور وانتدابات، واعتمادات لدعم المحروقات والمواد الأساسية، من حبوب وزيوت وكراس مدرسي ونقل، ودعم مالي للمؤسسات العمومية التي تحولت إلى عبء مالي على الميزانية بعد أن كانت موردًا أساسيًا لها.
وفي هذا السياق، فإن من شروط عدم التعثر في تسديد الدين الخارجي، وفي ظل ضعف قيمة الدينار التونسي، مزيد الضغط على هذه النفقات لضمان اعتمادات خدمة الدين، وهو ما يترجم بمزيد من الصعوبات الاقتصادية، حيث تلجأ الدولة إلى الترفيع في الجباية، ومزيد من الصعوبات الاجتماعية نتيجة تدهور الخدمات العمومية وارتفاع التضخم.
أما بخصوص حجم الدين العمومي، الذي اعتمدته وكالة فيتش لإسناد تونس «النظرة المستقبلية المستقرة»، فإن هذا الدين محكوم عليه بالارتفاع المتواصل، باعتبار خصوصية برنامج صندوق النقد الدولي، الذي لا يؤدي إلا إلى طريق مسدود، نهايته مستنقع التبعية المتجددة التي تقوم على الاقتراض من أجل تسديد القروض السابقة. وأي تعثر في هذا المجال يفتح الباب أمام «مصاصي الدماء» في نادي باريس، بحسب توصيف الكاتبة.
وتجدر الإشارة إلى أن استدراج أغلب الدول إلى نادي باريس هو أمر مخطط له، حسب روزنامة مضبوطة من قبل المؤسسات المالية الدولية، بناء على المؤشرات المالية والاجتماعية والاقتصادية والنقدية لهذه الدول. وتضبط هذه الروزنامة مدى قدرة هذه البلدان على الصمود ماليًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بما يتيح لهذه القوى التدخل، إما لتأجيل أو إعلان أي انهيار محتمل، ليشكل ذلك ورقة ضغط في يدها لابتزاز الدول النامية، سواء في مجلس الأمن أو غيره من المحافل والمناسبات.
مزيد من الضغوط
وضعية ميزان المدفوعات لا تقل هشاشةً عن وضعية ميزانية الدولة، التي تم تجفيف مواردها الذاتية من العملة المحلية والأجنبية. فهذا الميزان يشكو هو أيضًا من تبعية هيكلية للتدفقات غير التجارية، باعتبار ضعف الصادرات التونسية نتيجة إضعاف القدرات الإنتاجية للبلاد.
وكما أشرنا سابقًا، يتميز ميزان المدفوعات التونسي بارتباطه بحركة تدفق تحويلات التونسيين بالخارج، وعائدات القطاع السياحي، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وقروض دعم ميزانية الدولة. وكلها عوامل خارجة عن السيطرة، على عكس القدرات الإنتاجية للبلاد، التي من شأنها أن تمثل سندًا حقيقيًا وقويًا للدينار التونسي؛ وهي قدرات دُمّرت، وفق هذا التحليل، بسبب اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
إن تثبيت تصنيف تونس في مستوى «B-» مع نظرة مستقبلية مستقرة لا يبعث على الاطمئنان بقدر ما يخفي واقعًا هشًا، تتحكم فيه توازنات جيوسياسية إقليمية وعالمية من جهة، ويعمقه تعطل محركات النمو، من استهلاك واستثمار وتصدير، من جهة ثانية، وتهدده حركات الاحتجاج الاجتماعية من جهة ثالثة.
تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


