🎙آخر الأخبار
إعلان

حين تصبح الكلمة ملفًا قضائيًا... كتاب جديد لمروان البحري يفكك حدود التجريم وحرية التعبير في تونس

20 سبتمبر 2026

حين تصبح الكلمة ملفًا قضائيًا... كتاب جديد لمروان البحري يفكك حدود التجريم وحرية التعبير في تونس

يتوقف البحري عند المرسوم 54 إلى جانب مجلة الاتصالات وقانون مكافحة الإرهاب ومجلة المرافعات والعقوبات العسكرية وغيرها من النصوص، ليفحص ما ينتج عن تعدد المرجعيات وغموض بعض الصياغات من توسع في التأويل والملاحقة الجزائية

الكتاب: حرية التعبير والتشريع الجزائي

المؤلف: مروان البحري

الناشر: مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس

الطبعة: الأولى، تونس 2026

عدد الصفحات: 238 صفحة



لا ينتطح عنزان في الإقرار بأنّ الفترة التي أعقبت الخامس والعشرين من جويلية 2021 شهدت انزياحًا واضحًا في واقع حرية الرأي والتعبير في تونس، وبأنّ حجم الإحالات القضائية التي طالت صحفيين ونشطاء حقوقيين بسبب آرائهم وكتاباتهم كان من الأكبر منذ الثورة التونسية. بل إن إحالة صحفيين على المحاكم العسكرية وسجن بعضهم على خلفية أعمال أو مضامين مرتبطة بممارستهم الصحفية تمثل بدورها واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل منذ قيام دولة الاستقلال.

ومنذ صدور المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، توالت إحالات صحفيين وإعلاميين ومدونين ونشطاء على القضاء بسبب تصريحات أو تدوينات أو مضامين إعلامية، فيما انتهت بعض هذه القضايا إلى أحكام سالبة للحرية.

وتصف النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين مناخ العمل الصحفي خلال الفترة الأخيرة بأنه شهد «تدهورًا غير مسبوق»، معتبرة أن المرسوم 54 تحوّل إلى أحد أبرز النصوص المستخدمة في ملاحقة الصحفيين وأصحاب الرأي. وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد أحصت، إلى حدود جانفي 2025، ما لا يقل عن 28 شخصًا جرى إيقافهم أو تتبعهم أو التحقيق معهم بموجب هذا المرسوم، من بينهم تسعة صحفيين أو شخصيات إعلامية على الأقل، قبل أن تسجل السنوات اللاحقة قضايا وأحكامًا جديدة طالت صحفيين.

ومن المفارقات العجيبة، أنّه في الوقت الذي تتمسك فيه السلطة بخطاب رسمي يؤكد أن حرية التعبير مضمونة بالدستور وأنه «لا عودة إلى الوراء» في مجال الحريات، ترى النقابة ومنظمات حقوقية أن كثافة التتبعات القضائية والأحكام السجنية، ولا سيما تلك المستندة إلى المرسوم 54، أسهمت في خلق مناخ من الخوف والرقابة الذاتية داخل الوسط الإعلامي. وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد شدد، في أكثر من مناسبة، على أن حرية التعبير مضمونة، معتبرًا أن المشهد الإعلامي نفسه يشكل دليلًا على ذلك.

وفي هذا السياق يتنزل صدور المؤلف الجديد «حرية التعبير والتشريع الجزائي» للباحث في القانون مروان البحري، عن مجمع الأطرش للكتاب المختص في تونس، في طبعة أولى لسنة 2026 تقع في 238 صفحة.

ولا ينطلق الكتاب من الدفاع عن حرية التعبير باعتبارها حقًا مطلقًا لا تحدّه قيود، بل يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: إلى أي مدى يحق للدولة أن تستعمل القانون الجزائي لتنظيم حرية التعبير، قبل أن يتحول هذا القانون نفسه إلى أداة لتقييدها وإفراغها من مضمونها؟ وهو السؤال الذي يبني عليه البحري دراسته، جامعًا بين قراءة النصوص التشريعية وتحليل الممارسة القضائية.

المرسوم 54 في قلب الاختبار

يحتل المرسوم عدد 54 موقعًا مركزيًا في الكتاب، ليس باعتباره مجرد نص تقني لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وإنما بوصفه أحد أهم الاختبارات الراهنة للعلاقة بين حرية التعبير وسلطة التجريم في تونس.

ويتوقف البحري عند ما تثيره بعض أحكام المرسوم من إشكالات مرتبطة بمفاهيم مثل «الأخبار الزائفة» و«الإساءة للغير»، وما يمكن أن تفتحه الصياغات الواسعة من مجال للتأويل، فضلًا عن الأسئلة المتعلقة بمراقبة الاتصالات والمعطيات الرقمية وحماية المصادر الصحفية.

وهذه ليست إشكالات نظرية فقط. ففي جوان 2026، أدانت نقابة الصحفيين حكمًا غيابيًا بالسجن أربع سنوات بحق الصحفية خولة بوكريم في ملفين مرتبطين بتدوينات ناقدة للسياسات العمومية، وطالبت بوقف استخدام المرسوم في قضايا الصحافة والنشر واعتماد المرسوم عدد 115 المنظم للصحافة والطباعة والنشر بدلًا منه.

وقبل ذلك، استُخدم المرسوم في قضايا صحفيين وإعلاميين من بينهم مراد الزغيدي وبرهان بسيس، اللذان صدرت بحقهما أحكام سجنية، قبل أن تصدر بحقهما أحكام إضافية في جانفي 2026.

عندما يصبح غموض النص جزءًا من المشكلة

أحد المحاور الأساسية التي يطرحها الكتاب يتعلق بوضوح القاعدة الجزائية نفسها. فالقانون الذي يمكن أن يقود إلى السجن، وفق المقاربة التي يناقشها المؤلف، ينبغي أن يكون محددًا وقابلًا للتوقع، بحيث يستطيع المواطن أن يعرف مسبقًا أين ينتهي التعبير المشروع وأين يبدأ الفعل المجرّم.

ولهذا يتوقف البحري عند المرسوم 54 إلى جانب مجلة الاتصالات وقانون مكافحة الإرهاب ومجلة المرافعات والعقوبات العسكرية وغيرها من النصوص، ليفحص ما ينتج عن تعدد المرجعيات وغموض بعض الصياغات من توسع في التأويل والملاحقة الجزائية.

ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتقاطع هذه النصوص مع المرسوم عدد 115 لسنة 2011، الذي ينظم الصحافة والطباعة والنشر ويمنح العمل الصحفي ضمانات خاصة. وهنا يطرح الكتاب سؤالًا عمليًا بالغ الأهمية: أي نص ينبغي أن يُطبق عندما يكون الفعل محل التتبع ناتجًا أساسًا عن عمل صحفي أو ممارسة لحرية التعبير؟

هل يكون السجن جوابًا عن الكلمة؟

لا يتوقف الكتاب عند سؤال التجريم، بل ينتقل إلى حجم العقوبة ومدى تناسبها مع الفعل.

فحتى عندما يكون تدخل القانون مشروعًا من حيث المبدأ، يرى المؤلف أن العقوبة لا ينبغي أن تتجاوز ما تفرضه الضرورة والتناسب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتعبير لم يتجاوز في جوهره حدود الرأي أو النقد.

ومن هنا يناقش الكتاب ما يسميه إشكالية «المبالغة العقابية»، عندما يتحول السجن إلى استجابة لفعل تعبيري، ويضع مبدأ التناسب في قلب الحماية القانونية لحرية التعبير.

القضاء يرسم الحدود الفعلية للحرية

ولا تكمن أهمية النصوص القانونية في ما تقوله على الورق فقط، بل في الطريقة التي يقرأها بها القاضي ويطبقها.

لذلك يخصص البحري جزءًا مهمًا من عمله للممارسة القضائية، ويعرض اختلاف الاتجاهات في تطبيق النصوص المتعلقة بالصحافة والتعبير، والعلاقة بين المرسوم 115 والقوانين الجزائية الأخرى، كما يتناول إحالة بعض قضايا التعبير إلى القضاء العسكري وما تثيره من أسئلة حول القاضي الطبيعي وضمانات المحاكمة العادلة.

ويصبح القضاء، بهذا المعنى، ليس مجرد منفذ للنص، بل طرفًا حاسمًا في رسم المساحة التي يستطيع داخلها الصحفي أو المواطن أن يتحدث وينتقد من دون أن تتحول كلماته إلى ملف جزائي.

حرية يضمنها الدستور... فمن يحميها من القانون؟

يفتح الكتاب أيضًا ملف غياب المحكمة الدستورية، باعتباره أحد أوجه الخلل في منظومة حماية الحقوق والحريات.

فالاعتراف الدستوري بحرية التعبير، وفق الدراسة، لا يكفي وحده إذا غابت المؤسسة التي تستطيع مراقبة دستورية القوانين والقيود المفروضة على هذه الحرية. ويرى المؤلف أن غياب هذه الرقابة يجعل النصوص الزجرية الماسة بحرية التعبير بعيدة عن اختبار دستوري مؤسساتي كامل.

وهنا يعود الكتاب إلى المفارقة التي يعيشها المشهد التونسي اليوم: حرية تعبير معلنة دستوريًا ورسميًا، في مقابل واقع تتوسع فيه الملفات القضائية المرتبطة بالكلمة والمضمون الرقمي والصحفي.

كتاب في توقيت لا يبدو عابرًا

تنبع أهمية «حرية التعبير والتشريع الجزائي» من توقيت صدوره بقدر ما تنبع من مادته القانونية. فهو يظهر في لحظة لم يعد فيها النقاش حول حرية التعبير في تونس نقاشًا نظريًا بين رجال القانون، وإنما أصبح مرتبطًا بمصير صحفيين وإعلاميين ونشطاء يجد بعضهم نفسه أمام المحاكم أو داخل السجون بسبب ما قاله أو كتبه.

ومع استمرار الجدل حول المرسوم 54 والمطالبة بتعديله، يضع مروان البحري التشريع الجزائي نفسه تحت الاختبار: هل يحمي المجتمع من إساءة استعمال الحرية، أم يمكن أن يصبح، عندما تتسع عباراته وتختل موازين التناسب في تطبيقه، وسيلة لمعاقبة الكلمة؟

فالكتاب، كما تلخصه خاتمته، لا يدافع عن حرية التعبير بوصفها شعارًا سياسيًا، وإنما باعتبارها حقًا يحتاج إلى ضمانات قانونية فعلية، ويعيد طرح السؤال الأعمق عن دولة القانون: كيف تملك الدولة سلطة التجريم من دون أن تتحول هذه السلطة إلى مصدر للخوف من التعبير؟


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر