🎙آخر الأخبار
إعلان

هل نحن غير جديرين بالديمقراطية؟ من تعثّر الثورات العربية إلى الدرس التونسي

29 أوت 2026

هل نحن غير جديرين بالديمقراطية؟ من تعثّر الثورات العربية إلى الدرس التونسي

تنشر منصة «مسارات» حصريًا هذا المقال للكاتب السياسي نجيب العياري، وهو الجزء الثاني من سلسلة «ما بعد 25 جويلية وما قبلها»، بعد أن كانت المنصة قد قدّمت في وقت سابق تقريرًا حول الجزء الأول وأبرز أفكاره واستنتاجاته. في هذا الجزء، ينتقل العياري من تشخيص المأزق التونسي إلى سؤال أوسع يتجاوز الحالة المحلية: هل تعثّر التجارب الديمقراطية العربية دليل على أن شعوب المنطقة غير جديرة بالديمقراطية؟ ومن خلال مقارنة التجربة التونسية بمسارات انتقال ديمقراطي في مناطق أخرى من العالم، يناقش الكاتب الشروط التي صنعت النجاح أو الفشل، ودور المؤسسات والنخب والظروف الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية في تحديد مآلات الانتقال. ويخلص المقال إلى أن تعثّر التجربة ليس حكمًا ثقافيًا أو تاريخيًا على الشعوب، وأن تونس ليست محكومة بالعودة إلى ما قبل 25 جويلية ولا بتكريس ما بعدها، بل تحتاج إلى طريق ثالث يجمع بين الحرية وقدرة الدولة. ومن هنا يمهّد المقال للجزء الثالث والأخير من السلسلة، الذي سيتناول السؤال العملي والسياسي الأهم: من يصنع الطريق الثالث، وكيف؟

نجيب العياري - كاتب سياسي

انتهى المقال الأول من هذه السلسلة إلى أن تونس ليست محكومة بالاختيار بين استعادة ما قبل 25 جويلية وتكريس ما بعده، وأن الطريق الثالث المطلوب لا بد أن يجمع بين الحرية وقدرة الدولة. غير أن هذه الخلاصة تفتح سؤالًا أوسع وأشد إحراجًا: لماذا تعثرت الانتفاضات العربية في بناء الديمقراطية، بينما نجحت موجات أخرى في أوروبا الجنوبية والشرقية وأمريكا اللاتينية؟ وهل يكون تكرار الفشل دليلًا على أننا، شعوبًا ونخبًا وثقافةً، غير جديرين بالديمقراطية؟

هذا السؤال مهم، لكنه يصبح مضللًا متى تحوّل من مساءلة شروط الفشل إلى محاكمة لهوية الشعوب. فالديمقراطية ليست جائزة تُمنح لمجتمع بلغ الكمال الأخلاقي، ولا ثمرة طبيعية لشعوب هادئة لا تعرف الانقسام. إنها، على العكس، طريقة لتنظيم اختلاف البشر ونقائصهم وصراعاتهم، وتحويل التنازع على السلطة من معركة لإلغاء الخصم إلى منافسة يستطيع فيها المرء أن يخسر الحكم من دون أن يخسر حريته أو حقه في العودة.

السؤال الخاطئ

لم تكن الشعوب الأوروبية، حين بدأت مسارها الديمقراطي، أكثر تسامحًا بالفطرة ولا أقل عنفًا وانقسامًا. فقد عرفت أوروبا الحروب الدينية والفاشية والنازية والانقلابات والديكتاتوريات، ولم تستقر قواعد التداول السلمي إلا بعد صراعات طويلة، ومؤسسات وضمانات وتسويات.

كما لم تكن مجتمعات أمريكا اللاتينية خالية من التفاوت الطبقي وسطوة الجيش والعنف السياسي. الديمقراطية لم تأتِ بعد أن أصبح الناس ديمقراطيين بالكامل؛ بل ساعدت الممارسة والمؤسسات، بالتدريج، على صنع المواطن الديمقراطي.

لذلك، فالسؤال الأدق ليس: هل نستحق الديمقراطية؟ بل: ما الشروط التي سمحت، في أماكن أخرى، بتحويل لحظة الانفتاح إلى نظام قابل للبقاء؟ ولماذا غابت هذه الشروط أو ضعفت في أغلب الحالات العربية؟

انتفاضات واسعة، لا انتقالات مكتملة

ما سُمّي «الربيع العربي» كان، في معناه الأدق، موجة انتفاضات ذات أفق ديمقراطي أكثر منه موجة تحولات ديمقراطية مكتملة. نجحت الجماهير في إسقاط رؤساء في تونس ومصر وليبيا واليمن، وفتحت احتجاجات سوريا والبحرين، ثم الجزائر والسودان، أفقًا لتغيير عميق، لكن سقوط رأس السلطة لم يؤدِّ بالضرورة إلى تفكيك منظومة الحكم أو إلى تأسيس دولة ديمقراطية.

في مصر، ضحّى الجيش برأس النظام وحافظ على مركزه السياسي والاقتصادي. وفي ليبيا واليمن وسوريا، تداخل سؤال الديمقراطية مع سؤال أكثر بداهة وخطورة: من يمثل الدولة ومن يحتكر السلاح؟ وفي البحرين، حسم التدخل الإقليمي موازين القوة. أما في الجزائر والسودان، فاصطدم الشارع بمؤسسات عسكرية وأمنية لم تكن مستعدة للتنازل عن موقعها في إنتاج السلطة.

لقد استطاعت الثورات أن توحّد الملايين حول ما يرفضونه، لكنها لم تنتج تلقائيًا اتفاقًا حول ما يريدون بناءه. التقى الإسلاميون واليساريون والقوميون والليبراليون والشباب غير المنظم في الساحات لأنهم اتفقوا على رحيل الحاكم، لا لأنهم كانوا يحملون تصورًا مشتركًا للدولة والاقتصاد وحدود الأغلبية وحقوق الأقليات وموقع الجيش وضمانات الخاسر في الانتخابات.

وهكذا امتلكت الثورة شرعية الرفض، لكنها لم تنجح غالبًا في تحويلها إلى شرعية تأسيس.

وما إن انفتح المجال السياسي حتى عاد السؤال الذي أجّله الشارع: من يحكم؟ وبأي قواعد؟ وهل الدولة ملك لمن يفوز، أم إطار مشترك لا يجوز الاستحواذ عليه؟

عندها تحوّل الخوف المتبادل إلى أحد أقوى محركات الفشل. خشي الإسلاميون أن تُنتزع منهم شرعية الصندوق، وخشي خصومهم أن تتحول الأغلبية الانتخابية إلى هيمنة دائمة. وحين لا يثق الخاسر في أنه سيبقى موجودًا، ولا يثق الفائز في أنه سيُسمح له بالحكم، تصبح الانتخابات امتدادًا للصراع الوجودي بدل أن تكون وسيلة لتنظيمه.

التسوية تحتاج إلى أكثر من حسن النوايا

لا تُبنى الديمقراطية بالاحتجاج والانتخابات وحدهما، بل تحتاج إلى نخب تقبل التفاوض والتنازل وحق خصومها في البقاء. غير أن نجاح التسوية لا يتوقف على حكمة القادة فقط؛ فهو يحتاج أيضًا إلى قدر من التوازن بين الأطراف، ومؤسسات تنفّذ الاتفاق، وضمانات تحمي الجميع، وبيئة خارجية لا تعمل على إفشاله.

وهذا ما افتقدته معظم التجارب العربية، حيث أضعف الاستبداد الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، ثم واجهت الانتفاضات تدخلات إقليمية ودولية غذّت الانقسام والثورات المضادة.

ولا يعني ذلك إعفاء النخب العربية من المسؤولية، أو ردّ الفشل إلى القبيلة والطائفة والدين؛ فالظروف الصعبة ضيّقت فرص النجاح، لكن اختيارات النخب في الإقصاء والاستحواذ والاستقواء بالسلاح أو بالخارج أسهمت في إهدار ما بقي منها. فالتسوية تنجح حين تساعدها الظروف وتحسن النخب استثمارها، وتفشل حين تجتمع هشاشة المؤسسات مع سوء الاختيار.

تونس: استثناء يثبت الإمكان ولا يضمن النتيجة

لا حاجة إلى إعادة تشخيص التجربة التونسية الذي قدّمه المقال الأول، لكن وضعها داخل المقارنة العربية يكشف أمرًا بالغ الأهمية: تونس نجحت فعلًا في عبور المرحلة الأولى من الانتقال. ساعدها وجود دولة متماسكة نسبيًا، وجيش يرفض التدخل في السياسة والاقتصاد، ومجتمع مدني نشيط وقادر على الوساطة، مع غياب الانقسام الأهلي المسلح.

وفي أزمة 2013، قبلت حركة النهضة بمغادرة الحكومة، وتدخل الرباعي الراعي للحوار، وتوصلت القوى السياسية إلى دستور توافقي سنة 2014، ثم جرى التداول السلمي على الحكم.

هذه الوقائع وحدها تكفي لدحض القول إن التونسيين غير مؤهلين للديمقراطية. لكنها تكشف أيضًا أن النجاح في تفادي الاحتراب لا يساوي ترسيخ النظام الديمقراطي.

فقد ظلت التسوية التونسية ناقصة في ثلاثة مستويات مترابطة:

1. لم تُستكمل المؤسسات الضامنة، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية.

2. لم تتحول المصالحة بين القيادات إلى ثقة اجتماعية عميقة تحمي حق المختلف في الوجود.

3. لم يُبنَ عقد اقتصادي واجتماعي يجعل الحرية محسوسة في المدرسة والمستشفى والنقل والعمل والجهات.

أنقذ التوافق الانتقال في لحظة الخطر، لكنه فقد معناه عندما تحوّل من اتفاق على القواعد إلى إدارة مغلقة لتوازنات النخب، ومن وسيلة لحماية المساءلة إلى ذريعة لتعليقها.

عندها انفصلت الحرية السياسية عن قدرة الدولة على الإنجاز، وبدأ المواطن يرى الديمقراطية من خلال الحكومات الهشة والمشاحنات البرلمانية والسياحة الحزبية، لا من خلال أثرها في حياته اليومية.

لهذا لم يأتِ 25 جويلية 2021 من فراغ، لكنه لم يكن أيضًا تفويضًا مفتوحًا بالحكم الفردي. كان، في جانب مهم منه، عقابًا لمنظومة فقدت الثقة، ثم تحوّل ذلك العقاب إلى فرصة لتركيز السلطة وإضعاف الضمانات.

والدرسان متلازمان: لا يجوز استعمال فشل ما قبل 25 جويلية لتبرير ما بعده، كما لا يجوز استعمال الحكم الفردي لمحو مسؤولية الذين مهّد عجزهم الطريق إليه.

لا براءة جماعية ولا إدانة ثقافية

المجتمع ليس بريئًا تمامًا؛ فالديمقراطية تحتاج إلى مواطن لا يطلب الحرية لنفسه والاستئصال لخصمه، ولا يصفق للظلم حين يقع على من يكره، ثم يحتج عليه حين يصل إليه.

لكنها لا تُبنى أيضًا بإلقاء عبء الفشل على المواطن وحده، بينما ترفض الأحزاب ممارسة التداول داخلها، ولا تحترم المؤسسات إلا عندما تخدم مصالحها، وتطلب من الناس الثقة من غير مراجعة أو اعتذار.

لقد أخطأت قوى من مختلف العائلات السياسية: من اختزل الديمقراطية في الفوز الانتخابي، ومن استقوى بالدولة أو الخارج لمنع خصمه من الحكم، ومن جعل التوافق غطاءً لتقاسم النفوذ، ومن اعتقد أن معارضة الجميع تمنحه صك طهارة وحق الوصاية.

كما أخطأنا جميعًا حين جعلنا السياسة تدور حول هوية الحاكم أكثر مما تدور حول قواعد الحكم ونتائجه.

لسنا، إذن، شعبًا غير جدير بالديمقراطية. نحن مجتمع دخلها من أبواب ضيقة، تحت ضغط أزمة اقتصادية واجتماعية، ومن دون مؤسسات مكتملة، وفي بيئة إقليمية معادية، وبنخب لم تتعلم كلها بعد أن خسارة الحكم ليست خسارة للوطن.

وقد أضعنا فرصة ثمينة، لكن الفرصة المهدرة ليست حكمًا أبديًا.

فالجدارة لا تسبق الديمقراطية بوصفها امتحان قبول؛ إنها تُبنى داخلها، حين يصبح حق الخصم في الوجود قاعدة، وخضوع السلطة للقانون عادة، والاعتراف بالخطأ فضيلة، وربط الشرعية بالإنجاز التزامًا. 

وإذا كان المقال الأول قد دعا إلى طريق ثالث، وهذا المقال قد بيّن أن تعثرنا ليس قدرًا ثقافيًا بل نتيجة شروط واختيارات قابلة للتغيير، فإن السؤال الذي يبقى للحلقة الثالثة والأخيرة هو السؤال العملي: من يحمل مشروع الخروج، وكيف تتحول جبهة الرفض إلى قوة بناء من دون أن تصبح تحالفًا جديدًا على الغنائم؟

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».

تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر