د. إبراهيم العمري- أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية
ليس من السليم أن ننظر إلى غزة والروهينجا والأويغور باعتبارها مآسي متطابقة؛ فلكل حالة تاريخها وسياقها السياسي والقانوني. لكن المقارنة بينها تكشف بنية مشتركة: جماعات بشرية تواجه الاقتلاع أو التهجير أو التمييز أو تقييد الهوية، في ظل عجز النظام الدولي عن تحويل قواعد القانون إلى حماية فعلية.
في غزة، نحن أمام شعب له قضية وطنية وحق في تقرير المصير، يعيش في سياق الاحتلال والنزاع والتهجير، بينما تحولت الحرب إلى كارثة إنسانية واسعة. وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما توجد قواعد دولية لحماية المدنيين، ولكن لا توجد قوة سياسية كافية لفرضها؟
أما الروهينجا، فمأساتهم تتجاوز اللجوء والمخيمات؛ إذ ترتبط بانعدام الجنسية والاقتلاع وفقدان الوطن والحقوق السياسية. فالإغاثة قد تنقذ الإنسان من الموت، لكنها لا تعيد إليه بالضرورة وطنه أو جنسيته أو قدرته على تقرير مستقبله.
وفي الحالة الأويغورية، تختلف الصورة؛ فالجماعة تعيش داخل دولة ذات سيادة، وقد وثقت الأمم المتحدة انتهاكات خطيرة مرتبطة بالسياسات المتبعة في شينجيانغ. وهنا تبرز مسألة السيطرة الأمنية والسياسية وتأثيرها في الهوية والثقافة والحقوق.
إذن، تختلف الحالات الثلاث، لكن السؤال الذي يجمعها هو: ماذا يحدث للإنسان عندما تصبح القوة السياسية أو العسكرية أقوى من قدرته على حماية حقوقه وهويته؟
وهنا تظهر أزمة النظام الدولي: لدينا قانون دولي لحقوق الإنسان، وقانون إنساني، واتفاقيات دولية، ومحاكم وهيئات أممية؛ لكننا نواجه، في المقابل، تفاوتًا هائلًا في القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، والمصالح الجيوسياسية، والتحالفات، والفيتو، وضعف آليات التنفيذ. فتصبح المعادلة على النحو الآتي: القانون موجود، لكن القدرة على إنفاذه ليست متساوية.
ولا يعني ذلك أن القانون الدولي بلا قيمة؛ فقد وضع معايير، ووثّق الانتهاكات، وفتح أبوابًا للمساءلة. لكن المشكلة الكبرى تكمن في عدم المساواة في تطبيق القاعدة القانونية.
ومن هنا يمكن القول إنّ القانون الذي لا يستطيع تقييد القوة يبقى ناقص الفاعلية، والقوة التي لا يقيدها القانون تتحول إلى مصدر دائم للظلم.
وهذا يقودنا إلى مسؤولية العالم الإسلامي. لا يمكن اختزال هذه المسؤولية في البيانات والخطاب العاطفي، كما لا يمكن تحميل العالم الإسلامي المسؤولية القانونية المباشرة عن كل ما يحدث. لكن عليه مسؤولية سياسية وأخلاقية وإنسانية وقانونية تجاه الإنسان وحقوق الشعوب، وخاصة عندما يتعلق الأمر بجماعات مسلمة مضطهدة.
وتتطلب هذه المسؤولية الانتقال: من رد الفعل إلى الفعل، ومن البيانات إلى المؤسسات، ومن الإغاثة وحدها إلى الحماية، ومن الخطاب العاطفي إلى العمل القانوني والدبلوماسي، ومن التشتت إلى التنسيق.
كما أن مسؤولية العالم الإسلامي لا تقتصر على الخارج؛ إذ لا يستطيع أن يطالب العالم باحترام حقوق الإنسان إذا لم يجعل دولة القانون والعدالة والمواطنة وكرامة الإنسان مبادئ ثابتة في داخله. فالدفاع عن الفلسطيني والروهينغي والأويغوري ينبغي أن يكون جزءًا من مبدأ عام: حماية الإنسان وحقوقه، بصرف النظر عن قوته أو موقعه السياسي.
ويبقى السؤال الأكبر: إذا كان العالم الإسلامي يملك قرابة ملياري إنسان، وثروات هائلة، وموقعًا جيوسياسيًا مهمًا، فلماذا لا تتحول هذه الإمكانات إلى قدرة حقيقية على حماية الإنسان، والدفاع عن القانون، وحماية الأقليات المضطهدة، وخاصة المسلمة منها؟
هل المشكلة في ضعف الإمكانات؟ أم في غياب الإرادة السياسية؟ أم في أن ممارسات بعض الحكام ومصالحهم تحول دون تحويل هذه الإمكانات إلى موقف أخلاقي وسياسي فاعل؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نطالب العالم بتقديم الإجابة.


