حسين بوشيبة: ناشط حقوقي
كان ملف الشهيد كمال المطماطي أول ملف أُحيل على الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية يوم 29 ماي 2018، وكان من المفترض أن يشكّل انطلاقهُ خطوة تاريخية نحو كشف الحقيقة وتحقيق العدالة ووضع حدّ للإفلات من العقاب.
غير أن مرور خمسة وثلاثين عامًا على مأساة الشهيد، ورحيل والدته دون أن يتحقق مطلبها في معرفة مكان قبره، يكشفان حجم المأساة الإنسانية التي يخلّفها تعطيل العدالة وتأجيلها، ويطرحان سؤالًا جوهريًّا: ما معنى العدالة حين يطول انتظارها إلى حدّ أن يرحل أصحاب الحق قبل أن ينالوا الإنصاف؟
إن العدالة الانتقالية ليست مجرّد إجراءات قضائية أو ملفات إدارية، بل هي مسار لاستعادة كرامة الضحايا، وكشف الحقيقة، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر الأضرار، وضمان عدم تكرار ما حدث. وهي، قبل كل ذلك، التزام أخلاقي وقانوني تجاه الإنسان وحقّه في الكرامة والإنصاف.
الحكومات التي أعقبت الثورة و مسؤولية تعطيل المسار
لا يمكن الحديث عن مأساة فاطمة بمعزل عن التعطيل الذي عرفه مسار العدالة الانتقالية في تونس بعد الثورة، وعن مسؤولية الحكومات المتعاقبة والسلطات المعنية في عدم ضمان السير الفعلي والناجع لهذا المسار.
لقد مثّلت الثورة فرصة تاريخية للدولة لإنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة بشأن الانتهاكات التي تعرّضوا لها، ووضع حدّ لثقافة الإفلات من العقاب. وكان إرساء العدالة الانتقالية، بمؤسساتها وآلياتها القضائية، تعبيرًا عن إرادة في بناء دولة تحترم حقوق الإنسان، وتضمن عدم تكرار الانتهاكات، وتؤسس لمسار المصالحة والإصلاح والتنمية.
لكن هذا الأمل اصطدم بتعطيلات متواصلة وتأخيرات إجرائية و مؤسساتية حالت دون تحقيق العدالة في آجال معقولة، وأدّت إلى إطالة معاناة الضحايا وعائلاتهم.
لقد تجاوزت المحاكمات، في العديد من ملفات العدالة الانتقالية، الآجال المعقولة، بما أفرغ حقّ الضحايا في الوصول إلى العدالة من جزء أساسي من مضمونه، وحوّل الانتظار إلى معاناة إضافية لا تقلّ قسوة عن الألم الذي خلّفته الانتهاكات الأصلية.
إن مسؤولية الحكومات التي تعاقبت بعد الثورة إلى اليوم لا تتعلّق فقط بما اتُّخذ من قرارات أو ما أُهمل من إجراءات، بل تشمل أيضًا واجبها في توفير الشروط الضرورية لعمل مؤسسات العدالة الانتقالية، وضمان استقلال القضاء ونجاعة المسار القضائي، حتى لا تتحوّل العدالة إلى وعد مؤجّل بلا أفق.
فتجاوز المحاكمات للآجال المعقولة ليس مجرّد إخلال إجرائي، بل هو مساس بحقوق الضحايا وعائلاتهم، وحرمان لهم من حق أساسي في معرفة الحقيقة وتحقيق الإنصاف خلال حياتهم.
ولذلك، فإن مساءلة الحكومات والسلطات المعنية عن إخفاقاتها في ضمان السير الفعلي لمسار العدالة الانتقالية تظلّ ضرورة حقوقية و مؤسساتية، حتى لا يتكرّر تعطيل العدالة، وحتى لا تتحوّل معاناة الضحايا إلى مجرّد ذكرى في سجلّ التاريخ.
وفاة فاطمة لا تعني موت العدالة الانتقالية
إن رحيل فاطمة، أمّ الشهيد كمال المطماطي، لا يعني موت العدالة الانتقالية، ولا سقوط حقّ ابنها في الحقيقة والإنصاف والمساءلة، ولا إعفاء الدولة من مسؤولياتها تجاه الضحايا وعائلاتهم.
فالحق لا يموت برحيل أصحابه، والحقيقة لا تُدفن مع الضحايا أو ذويهم. وتظلّ الدولة التونسية، في إطار التزاماتها الوطنية والدولية، مطالبة بمواصلة مسار العدالة الانتقالية، وكشف الحقيقة، وتحقيق المساءلة، وجبر الضرر، وردّ الاعتبار للضحايا وعائلاتهم، والعمل على ضمان عدم تكرار الانتهاكات.
إن الوفاء لفاطمة لا يكون بالاكتفاء بالتعزية في رحيلها، ولا بتحويل قصتها إلى مجرّد حكاية مؤثرة عن أمّ انتظرت طويلًا، بل يكون بمواصلة المطالبة بكشف الحقيقة حول مصير ابنها، ومعرفة مكان دفنه، وضمان حقّ عائلته في الحقيقة والإنصاف.
كما يكون الوفاء لها بمواصلة الدفاع عن حقوق جميع الضحايا وعائلاتهم، وعدم السماح بتعطيل الدوائر القضائية المتخصصة أو إفراغ مسار العدالة الانتقالية من مضمونه.
فكل يوم يمرّ دون كشف الحقيقة هو يوم إضافي من المعاناة لعائلات الضحايا، وكل تأخير في تحقيق العدالة هو انتقاص من كرامتهم وحقوقهم.
العدالة المؤجّلة ليست عدالة مكتملة
إن مأساة فاطمة تضعنا أمام سؤال أخلاقي وحقوقي عميق: ما قيمة العدالة إذا لم تصل إلى أصحاب الحق في حياتهم؟ وما معنى كشف الحقيقة إذا ظلّت الأمهات يرحلن دون أن يعرفن أين يرقد أبناؤُهن؟ وما جدوى إرساء مؤسسات العدالة الانتقالية إذا لم تتمكّن من أداء رسالتها في آجال معقولة؟
إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى التشكيك في أهمية مسار العدالة الانتقالية، بل إلى التأكيد على ضرورة استكمال الاختلالات التي عطّلته وتصحيحه، وضمان ألّا يتحوّل التأخير إلى شكل آخر من أشكال الظلم.
العدالة الانتقالية ليست امتيازًا تمنحه الدولة للضحايا، بل هي حقّ أصيل لهم والتزام على عاتق مؤسساتها. وهي ليست مسألة تخصّ الماضي وحده، بل شرط أساسي لبناء المستقبل، وترسيخ الثقة في المؤسسات، وحماية المجتمع من تكرار الانتهاكات.
إن إنصاف الضحايا ليس عبئًا على الدولة، بل هو واجبها، ومقياس لاحترامها الكرامة الإنسانية وسيادة القانون.
فاطمة ترحل... وحقّ ابنها يبقى
رحلت فاطمة، أمّ الشهيد كمال المطماطي، بعد خمسة وثلاثين عامًا من الانتظار، لكن حكايتها ستظلّ شاهدة على وجع الأمهات اللواتي انتظرن طويلًا، وعلى مسؤولية الدولة في إنصاف الضحايا، وعدم ترك عائلاتهم رهائن للانتظار والنسيان.
رحم الله السيدة فاطمة، ورحم ابنها الشهيد، ورحم جميع شهداء الوطن وضحايا الانتهاكات.
إن أجمل الوفاء لهذه الأم، ولكل أمهات الضحايا، هو ألّا نسمح بأن يموت الحق برحيلهنّ، وألّا تتحوّل سنوات الانتظار إلى حكم نهائي بالإفلات من العقاب.
لن يموت الحق برحيل أصحاب الحق، ولن تُدفن الحقيقة مع الراحلين، ولن تموت العدالة الانتقالية ما دام هناك من يتمسّك بالحقيقةِ والإنصاف والكرامة.
أمُّ الشهيد
يا أمَّ شهيدٍ ما انحنى في غيبِه،
وظلَّ في صدرِكِ حيًّا لا يغيبْ.
خمسةٌ وثلاثون عامًا وأنتِ على المدى
تعدّين خطوَ الريح... علَّ الحبيبْ
يعودُ من ليل الغياب،
وتُفتحُ له الأبواب بعد طول نحيبْ.
ما كنتِ أمَّ الحزن،
بل كنتِ أمَّ الحقيقة،
تحملين اسمَه
كأنّه عهدٌ لا يشيخ،
وكأنَّ قلبَ الأمّ
أعدلُ من كلِّ المحاكم حين تُغلق أبوابُها.
رحلتِ الآن...
لكنّي أراكِ في السماء
تلقين ابنَكِ بعد طول الفراق،
فتضمّينه كما تضمُّ الأرضُ سرَّها،
وتقولين له:
تأخّرتَ يا بنيّ...
لكنّي لم أنسَك.
نامي بسلامٍ يا أمَّ الشهيد،
فقد حملتِ وجعَ السنين ولم تنكسري،
وظلَّ اسمُ ابنكِ شاهدًا
على أنَّ الحقيقة قد تتأخّر،
لكنّها لا تموت،
وأنَّ العدالة قد تُحاصَر،
لكنّها لا تُدفن مع الراحلين.
رحلتِ أنتِ،
وبقي علينا أن نحمل الأمانة:
أن نكشف الحقيقة،
ونُنصف الضحايا،
ونحفظ الذاكرة،
حتى لا يصبح الظلم روايةً بلا شاهد.
=
تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


