🎙آخر الأخبار
إعلان

«التزوير الناعم» في الانتخابات المغربية.. حين يفوز الإسلاميون ولا يصلون إلى الحكم

1 أكتوبر 2026

«التزوير الناعم» في الانتخابات المغربية.. حين يفوز الإسلاميون ولا يصلون إلى الحكم

محمد المولهي - كاتب صحفي تونسي


قد لا تحتاج كل انتخابات إلى صندوق مزوّر حتى تُثار حولها شبهة التلاعب. أحيانًا يكون التلاعب، وفق منتقدي العملية الانتخابية، أكثر نعومة: تُترك الصناديق تتكلم، ثم يُعاد ترتيب الطريق الذي تنتقل عبره أصواتها إلى النتيجة.

من الصدارة في المحاضر إلى المرتبة الرابعة

بدأت الحكاية في الانتخابات المغربية الأخيرة، من مفارقة لافتة. فبعد إغلاق مكاتب الاقتراع، أعلن حزب العدالة والتنمية، استنادًا إلى المحاضر التي توصل بها من عدد من مكاتب التصويت، تصدّره في دوائر ومدن عديدة، من بينها طنجة والرباط وتمارة وأكادير وفاس والدار البيضاء.

لكن النتيجة الرسمية انتهت إلى صورة مختلفة: الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ97 مقعدًا، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدًا، والاستقلال بـ65 مقعدًا، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدًا. وهذه هي الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية المغربية ثم أكدت لاحقًا أن النتائج النهائية طابقت النتائج الأولية الرسمية. 

هنا لا تكمن المسألة في أن إعلانًا حزبيًا أوليًا يجب أن يساوي بالضرورة النتيجة النهائية، فذلك ليس دليلًا على التزوير. لكن الفارق بين الروايتين يفتح سؤالًا مشروعًا: كيف انتقل العدالة والتنمية من معطيات أولية قالت قياداته إنها وضعته في الصدارة إلى نتيجة رسمية وضعته في المرتبة الرابعة؟

الجغرافيا الانتخابية وسؤال المراقبة

تزداد حساسية السؤال عند النظر إلى الخريطة الجغرافية للنتائج. فالحزب حقق حضورًا قويًا في المدن والحواضر، بينما كان حضور أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال أقوى في عدد من المناطق القروية.

وهذه المعطيات لا تثبت، في حد ذاتها، وجود تزوير، لكنها تمنح أهمية خاصة للحديث عن قدرة الأحزاب على المراقبة والتوثيق. فالمدن هي أيضًا المجال الذي يمتلك فيه العدالة والتنمية حضورًا تنظيميًا أكبر وعددًا أكبر من المراقبين، بينما تثير المناطق النائية سؤالًا حول مدى قدرة الحزب على تغطية جميع مكاتب التصويت، ومتابعة عمليات الفرز، والحصول على نسخ من المحاضر.

المحاضر.. الحلقة الأكثر حساسية

تحدث حزب العدالة والتنمية عن وجود مكاتب لم يتسلّم فيها مُمثلوه نسخ المحاضر، واعتبر أن عدم تسليم هذه الوثائق يضعف قدرة الحزب على مطابقة النتائج التي جمعها مراقِبوه مع النتائج الرسمية.

وتشير وزارة الداخلية المغربية، من جهتها، إلى أن القانون يتيح للمرشحين المعنيين الاطلاع على محاضر مكاتب التصويت ومحاضر لجان الإحصاء المحلية والإقليمية والجهوية وفق الإجراءات المحددة قانونًا. كما تحدث عبد الإله بنكيران عن وقائع في طنجة اعتبرها تزويرًا، وطرح احتمال أن تكون اختلالات مماثلة قد حدثت في مناطق أخرى.

هذه، في النهاية، اتهامات سياسية وانتخابية تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة لإثبات نطاقها وتأثيرها. لكنها تظل مهمة لأنها تمس الحلقة الأكثر حساسية في أي انتخابات: المسافة بين ما يُفرز داخل مكتب التصويت وما يُعلن لاحقًا باعتباره النتيجة النهائية.

ماذا يعني «التزوير الناعم»؟

المقصود، في هذه القراءة، ليس بالضرورة وضع أوراق مزوّرة في الصناديق، وإنما احتمال التأثير في شروط المنافسة، أو البيئة الانتخابية، أو آليات توثيق النتائج وتجميعها، بما قد يجعل النتيجة النهائية مختلفة عن الصورة التي تقول بعض القوى السياسية إن محاضرها المحلية أظهرتها. لكن ذلك يظل فرضية سياسية تحتاج إلى الإثبات، وليس وصفًا ثابتًا لما حدث.

عودة قوية للعدالة والتنمية... ولكن دون الصدارة

عاد حزب العدالة والتنمية إلى البرلمان بقوة، منتقلًا من 13 مقعدًا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدًا في 2026، لكنه لم يستعد موقع الحزب الأول. وفي المقابل، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة المشهد بـ97 مقعدًا. 

ومن منظور بعض منتقدي النظام، يمكن قراءة ذلك ضمن انتقال المغرب إلى مرحلة سياسية جديدة تتداخل فيها مشاريع اقتصادية كبرى، وانفتاح دولي متزايد، والاستعداد لاستحقاقات دولية كبرى، إلى جانب استمرار العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

ومن هذه الزاوية، يذهب هذا التفسير إلى أن صعود حزب ذي مرجعية إسلامية إلى رئاسة الحكومة قد لا ينسجم، في نظر هؤلاء المنتقدين، مع الاتجاه السياسي الذي اختاره المغرب خلال السنوات الأخيرة.

لكن هذه تبقى قراءة سياسية محتملة، وليست دليلًا على وجود قرار رسمي بمنع العدالة والتنمية من الحكم.

بين الاتهام السياسي والإثبات

لا توجد، في المعطيات المتاحة علنًا حتى الآن، أدلة مستقلة تثبت أن الدولة أو ما يصفه منتقدوها بـ«المخزن» اتخذ قرارًا بتغيير نتائج الانتخابات لمنع الحزب من الوصول إلى رئاسة الحكومة.

وفي المقابل، فإن وجود اتهامات بشأن المال الانتخابي والمحاضر وبعض مكاتب التصويت يجعل المطالبة بالتحقيق في كل واقعة مسألة مختلفة تمامًا عن إثبات وجود تزوير شامل.

وهنا تحديدًا تكمن قوة السؤال وضعف اليقين. هل جرت الانتخابات كما تعكسها النتائج الرسمية؟ أم أن هناك فجوة بين ما حدث داخل بعض مكاتب التصويت وبين الصورة النهائية التي أُعلنت للرأي العام؟

إذا كانت النتائج سليمة، فإن إتاحة المحاضر التفصيلية والتحقيق في الاعتراضات يمكن أن يضيّق مساحة الشك.

وإذا كانت هناك خروقات، فإن المحاضر والطعن القضائي والتحقيقات هي الأدوات التي يمكن أن تكشف حجمها ومدى تأثيرها.

الإسلاميون بين الفوز وحدود الوصول إلى السلطة

أما القراءة السياسية الأوسع فتقول إن القضية ربما لا تتعلق بإقصاء الإسلاميين من الانتخابات، بل بتحديد حدود صعودهم السياسي: يمكن أن يفوزوا في المدن، ويمكن أن يعودوا بقوة إلى البرلمان، ويمكن أن يستعيدوا جزءًا من شعبيتهم، لكن الوصول إلى مركز القرار قد يصبح أكثر صعوبة في مرحلة سياسية عنوانها الانفتاح الاقتصادي والدولي وإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية.

وهذا هو جوهر فرضية «التزوير الناعم» كما يطرحها منتقدو العملية الانتخابية: ليس أن يُمنع الإسلاميون من الفوز تمامًا، بل أن يُسمح لهم بالفوز من دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى قدرة على الحكم.

==

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».



تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر

«التزوير الناعم» في الانتخابات المغربية.. حين يفوز الإسلاميون ولا يصلون إلى الحكم | مسارات