في هذه القراءة الخاصة بمنصة «مسارات»، يتناول الكاتب الدكتور محمد التومي رواية «الشوك والقرنفل» ليحيى السنوار، متتبعًا حضور المخيم والسجن والذاكرة في بنائها السردي، ومسار تحوّل الشخصية من تجربة اللجوء والفقر إلى تشكّل الوعي والتنظيم. ويرى التومي أن الرواية تتجاوز حدود السيرة السجنية لتقدّم، من منظوره، شهادة أدبية وتاريخية على مرحلة من التجربة الفلسطينية، يتداخل فيها اليومي بالسياسي، والمحنة الفردية بالذاكرة الجماعية.
د. محمّد التومي: كاتب وباحث جامعي
تعد رواية الشوك والقرنفل للشهيد يحيى السنوار (أبو إبراهيم) واحدة من أبرز النصوص الأدبية التي تم إنتاجها في زنازين الاحتلال الإسرائيلي. فهي ليست مجرد سيرة ذاتية سجنية، بل هي وثيقة نضالية واجتماعية وتاريخية تنبض بروح المخيم الفلسطيني وتفاصيل المحنة الإنسانية تحت وطأة الاحتلال. يستعرض هذا النص الروائي، الذي كُتب داخل السجون، حياة بطل الرواية أحمد وتنقله من طفولة بائسة في مخيمات غزة إلى قلب الصراع مع الاحتلال، وصولا إلى تجربة الاعتقال والتحقيق القاسي، والتخطيط لقلب كل المعادلات البائسة التي تؤبد الظلم والقهر.
المحنة التأسيسية.. من النكبة إلى المخيم
تبدأ الرواية من لحظة المحنة بمعناها الوجودي والاجتماعي، حيث يرسم السنوار ببراعة صورة قاتمة وحية لحياة اللجوء في قطاع غزة. يفتتح النص بوصف الشتاء القارس عام 1967، وتدفق مياه الأمطار إلى البيوت الطينية، في مشهد يلخص هشاشة حياة اللاجئين. هذه النشأة القاسية، التي يتشارك فيها البطل "أحمد" مع أسرته الفقيرة، تشكل الخلفية النفسية والاجتماعية التي تدفع نحو التمرد والمقاومة.
يصور الكاتب كيف تتحول حياة المخيم إلى مختبر للبقاء، حيث تتشابك تفاصيل الفقر المدقع (الخبز، الزيت، حصص وكالة الغوث) مع مأساة فقدان الأب وانعدام الأمن. ويتجلى "الشوك" في السرد استعارة للاحتلال الذي يغتال الأحلام ويدمّر البيوت، وللفقر الذي ينهش الجسد. لكن السنوار لا يتوقف عند سرد المعاناة، بل يوظف هذه المحنة لتفسير التحوّل الفكري للشباب الفلسطيني.
المخيم وصناعة الوعي.. من المحنة الفردية إلى القضية الجماعية
إن انتقال "أحمد" من طفل يلهو في أزقة المخيم إلى شاب يدرك حجم المؤامرة على شعبه، هو انتقال من المحنة الفردية إلى الوعي الجماعي. هنا تبرز فرادة السنوار في قدرته على ربط التفاصيل اليومية الصغيرة (علاقات الجيرة، الأعراس، المدارس، ورشات العمل) بالسياق السياسي الأكبر، مما يجعل من السرد الروائي لوحة بانورامية للمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة خلال حقبة الستينيات والسبعينيات.
أدب السجون.. المعتقل مسرحا للصراع
يخصص الجزء الأكبر من الرواية لتجربة الاعتقال، وهنا يتقاطع النص مع أدب السجون، ولكنه يكتسب خصوصية فلسطينية فريدة. يصف السنوار التحقيق في "المسلخ" (سجن غزة المركزي) بواقعية صادمة وموجعة. لم يعد السجن مجرد مكان للاحتجاز، بل أصبح فضاءً للصراع النفسي والجسدي المباشر مع المحققين.
ويبرز في هذا القسم شخصية المحقق أبو وديع الذي يجسّد الوجه القبيح للاحتلال، حيث يستخدم أسلوب "العصا والجزرة" في محاولة لكسر إرادة المعتقلين. حيث يصف السنوار تفاصيل التعذيب الجسدي (الضرب، الشبح، الوقوف لساعات طويلة) والتعذيب النفسي (التهديد، التجنيد، والابتزاز الأخلاقي).
الزنزانة فضاء للصمود والتنظيم
لكن ما يميّز هذا الحيز السردي في الرواية ليس فقط سرد التعذيب، بل توثيق آليات الصمود. يتحول السجن إلى جامعة ثورية ينظم فيها الأسرى صفوفهم، ويخوضون الإضرابات عن الطعام (كما يظهر في تفاصيل إضراب الأسرى الذي قاده محمود الصالح وحسن ثبات)، ويحوّلون العتمة إلى مساحة للتعلّم والتنظيم.
إن المحنة في السجن ليست سلبية، بل هي عملية صهر وتصفية، تفرز القيادات وتعمق الانتماء الوطني والديني، وهو ما يعكس التحوّل من الضحية إلى الأسير المقاوم الذي يفرض شروطه على السجان.
فرادة التجربة السنوارية.. من الأسير إلى صانع التاريخ
تكمن الفرادة الحقيقية لتجربة يحيى السنوار الروائية في كونها تجاوزت التوثيق التقليدي لأدب السجون، لتصبح أدبا في المقاومة بامتياز. فالنص لا يكتفي بوصف المحنة، بل يقدم مشروعاً متكاملاً للخروج منها. يتميز أسلوب السنوار بالواقعية الشديدة الممزوجة بالرمزية السياسية. فعنوان الرواية "الشوك والقرنفل" يلخص فلسفة الكفاح: الشوك هو الاحتلال والسجن والفقر، والقرنفل هو الشهيد والوطن والحرية.
العمل الجماعي.. من المخيم إلى خلايا المقاومة
ولعل ما يميز هذه التجربة أيضا هو البعد الجماعي للعمل الفدائي. حيث لا يصور السنوار نفسه بطلا خارقا، بل يبرز العمل الجماعي وتكاتف العائلة والمخيم. تصف الرواية كيف يتحول أحمد وإبراهيم ومحمود وحسن إلى خلايا مقاومة متكاملة، وكيف يتحول السجن من مكان للعقاب إلى غرفة عمليات لتنظيم صفوف المقاومة (فتح والتيار الإسلامي).
تبرز هنا شخصية أحمد كراوٍ يقظ، يراقب، ويحلل، ويخطّط، مما يعكس العقلية الاستخباراتية والقيادية التي يتمتّع بها السنوار نفسه.
«الشوك والقرنفل».. بين التوثيق والرمز السياسي
إن رواية "الشوك والقرنفل" ليست مجرّد مذكرات سجين، بل هي شهادة على مرحلة تاريخية كاملة. إنها توثّق كيف يمكن للإنسان أن يحول المحنة إلى منحة، والسجن إلى ساحة للحرية.
من خلال هذه الرواية، يثبت السنوار أن الكتابة في زنازين الاحتلال هي فعل مقاومة بحد ذاته، وأن الذاكرة الفلسطينية قادرة على الانتصار على محاولات المحو والتشويه. وتظل هذه الرواية وثيقة أدبية وتاريخية بالغة الأهمية، لأنها لا تحكي فقط عن ماضٍ أليم، بل تتنبأ بمستقبل يسطره أبناء المخيمات الذين رفضوا الانكسار.
من المحنة الفردية إلى الذاكرة الجماعية
نجح السنوار في تحويل المحنة الفردية إلى قضية جماعية، والزنزانة الضيقة إلى مساحة للتنفس الوطني. وقدم ثلاثية المحنة، والصمود، والتحرر.
فمن رحم الفقر في مخيمات غزة، ومن تحت أنقاض البيوت التي هدمها الاحتلال، يولد وعي أحمد الذي يمثل جيلا كاملا. ثم تأتي تجربة الاعتقال لتكون "المسلخ" و"الزنازين" مختبرا لصهر هذا الوعي وتنظيمه، حيث يتحول الأسير من ضحية إلى قائد.
وأخيرا، تبرز فرادة التجربة السنوارية في قدرتها على توثيق التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية (من ألعاب الأطفال إلى طوابير الماء) وربطها بالصراع الوجودي مع المحتل.
الكلمة في مواجهة المحو
إن ما يميز هذه الرواية هو أنها لم تُكتب للبكاء على الأطلال، بل كُتبت دليلا للعمل والتخطيط لطوفان يعصف بالمسلمات وتوازي الرعب. وتظل ذاكرة للأجيال القادمة.
إنها شهادة على أن الكلمة قادرة على هزيمة السيف، وأن الذاكرة الفلسطينية أقوى من محاولات المحو. وبهذا، تظل "الشوك والقرنفل" وثيقة أدبية وتاريخية بالغة الأهمية، لا لأنها تحكي ماضيا أليما فحسب، بل لأنها تتنبأ بمستقبل يصنعه أبناء المخيمات الذين رفضوا الانكسار، وأصبحوا رقما في معادلة القوة.


