🎙آخر الأخبار
إعلان

الرباعي ناقص واحد.. من إرث الرمز إلى امتحان البناء: كيف تنجح مبادرة 3 سبتمبر حيث تعثّرت مبادرة 2023؟

11 سبتمبر 2026

الرباعي ناقص واحد.. من إرث الرمز إلى امتحان البناء: كيف تنجح مبادرة 3 سبتمبر حيث تعثّرت مبادرة 2023؟

تقديم «مسارات»

في هذا المقال الخاص بـ«مسارات»، يقرأ الكاتب السياسي نجيب العياري مبادرة 3 سبتمبر في ضوء تجربة الرباعي الوطني وتعثر مبادرة 2023، باحثًا في شروط تحويل قوة الرمز إلى مسار حوار قادر على التأثير والبناء.

نجيب العياري -كاتب سياسي

ثلاثة أضلاع من ذاكرة الرباعي

ليس قليل الدلالة أن تجتمع، في الثالث من سبتمبر، ثلاث منظمات وطنية هي الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، لتعلن إطلاق «إطار تنسيقي مشترك من أجل تونس والتونسيين» تحت شعار «تونس أولًا والشعب فوق كل اعتبار»(1).

فهذه ليست ثلاث جمعيات عابرة في المشهد الوطني، بل ثلاثة أضلاع من الرباعي الذي رعى الحوار الوطني سنة 2013 وأسهم في تجنيب تونس خطر الانهيار، وفتح الطريق أمام استكمال المسار الدستوري والانتخابي(2). وهي تعود اليوم في بلد أنهكته الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتراجعت فيه الثقة في المؤسسات والأحزاب والنخب، وأصبح كثير من التونسيين يشككون لا في قدرة هذا النظام أو ذاك على الإصلاح فحسب، بل في قدرة السياسة نفسها على إنتاج الحلول.

وقد يكون من المغري وصف ما حدث بأنه عودة «الرباعي ناقص واحد»، في إشارة إلى غياب اتحاد الصناعة والتجارة، لكن المبادرة لن تنجح بما تستحضره من رمزية 2013، وإنما بما تتعلمه من اختلاف الحاضر عن الماضي ومن تعثر المحاولات التي جاءت بعد ذلك، وفي مقدمتها مبادرة سنة 2023 التي جمعت اتحاد الشغل والرابطة والمحامين والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

فتونس 2026 ليست تونس 2013. يومها كان الصراع يدور داخل انتقال ديمقراطي متعثر، وكانت هناك مؤسسات قائمة وقوى سياسية منظمة تستطيع التفاوض وإلزام قواعدها، كما كان الخوف من العنف والانهيار يدفع الخصوم إلى إدراك أن كلفة التنازل أقل من كلفة المواجهة.

أما اليوم فقد تمركز القرار داخل السلطة، وضعفت الأحزاب وتشتتت المعارضة، وتراجعت الثقة في الأجسام الوسيطة، واتسعت المسافة بين المجتمع ومن يدعون تمثيله. ولذلك لا يكفي استدعاء تجربة الرباعي القديم، بل ينبغي إعادة بناء الشروط التي جعلت وساطته ممكنة: أطراف قادرة على التفاوض، ووسطاء يحظون بثقة متقاطعة، ومجتمع يرى نفسه ممثلًا في المسار، وموازين تجعل تجاهل الحوار أكثر كلفة من الانخراط فيه.

وهنا يبدأ السؤال الجدي. ليس هل نرحب بالمبادرة الجديدة أم نرفضها، بل ماذا تعلمنا من محاولة 2023 حتى لا يتحول بيان 3 سبتمبر بدوره إلى إعلان قوي تلحقه بيانات أخرى، ثم ينتهي إلى وثائق جيدة لا تجد طريقها إلى المجتمع أو إلى القرار؟

لماذا تعثّرت مبادرة 2023؟

لقد انطلقت مبادرة الإنقاذ الوطني في 27 جانفي 2023 وشكلت ثلاث لجان للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم أعلن القائمون عليها أن أوراقها أصبحت جاهزة وأنها لا تستهدف إسقاط مؤسسات الدولة أو إنكار دور رئيس الجمهورية(3).

ولذلك لا يمكن تفسير تعثرها برفض السلطة التجاوب معها وحده. فقد ظلت علاقتها بالأحزاب غامضة، ولم تتحول أوراق خبرائها إلى نقاش مجتمعي واسع، كما لم تنجح في بناء حامل سياسي واجتماعي يملك مضامينها ويدفع بها نحو التفاوض.

لقد أنتجت المبادرة أوراقًا، لكنها لم تبنِ الجسر الذي ينقلها من لجان الخبراء إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى قوة ضغط سلمية، ومن هذه القوة إلى أثر سياسي ومؤسسي.

هذا هو الدرس الأول الذي ينبغي أن تبدأ منه مبادرة 3 سبتمبر. فالحوار الوطني لا ينتظر الإذن من أحد، لأن حق التونسيين في التفكير في مستقبل بلادهم لا تمنحه السلطة ولا تستطيع مصادرته.

الحوار المجتمعي والتفاوض المؤسسي

ومع ذلك، لا يمكن لاتفاقات تتعلق بالدستور والانتخابات والقضاء ومؤسسات الدولة أن تصبح نافذة من دون مشاركة السلطة القائمة. لذلك ينبغي التمييز بين حوار مجتمعي مستقل يبدأ من المجتمع، وتفاوض سياسي ومؤسسي يصل في مرحلة لاحقة إلى الدولة.

تكون وظيفة الحوار المجتمعي تقريب الرؤى، وكسر العزلة بين التونسيين، وصياغة أرضية مشتركة، وبناء قوة اقتراح وطنية يصعب تجاهلها. أما التفاوض المؤسسي فتكون غايته تحويل ما نضج مجتمعيًا إلى تسويات وإجراءات وضمانات قابلة للتطبيق.

بهذا التمييز لا يصبح الحوار رهينة لموافقة السلطة قبل أن يبدأ، ولا يقدم نفسه سلطة موازية قادرة على تغيير المؤسسات بمفردها.

وفي المقابل، فإن استقلال الحوار لا ينبغي أن يحوله إلى جبهة لإسقاط النظام. فإما أن يكون الإطار الجديد فضاء لبناء شروط الخروج الوطني من الأزمة، وإما أن يصبح مكونًا إضافيًا من مكونات المعارضة. وفي الحالة الثانية قد يكون موقفه مشروعًا، لكنه لن يؤدي الوظيفة التي تحتاجها تونس اليوم. فالبلاد لا ينقصها معارضون للسلطة ولا أنصار لها، بقدر ما ينقصها فضاء يستطيع المختلفون أن يلتقوا داخله قبل أن يصبح الحوار أكثر كلفة وأقل قدرة على التأثير.

وهذا لا يعني منح السلطة ضمانًا غير مشروط إلى نهاية العهدة، ولا مطالبة المواطنين بتعليق حقهم في الاحتجاج والمساءلة. المقصود أن المبادرة لا تجعل إسقاط الحكم غايتها، وترفض العنف والانقلابات والفراغ، وتتمسك بالتغيير السلمي والاستحقاقات الانتخابية، مع مواصلة الضغط المدني والنقابي والحقوقي دفاعًا عن الحريات واستقلال القضاء وكرامة المواطنين. فتونس لا تحتاج إلى هدم جديد، لكنها لا تستطيع أيضًا أن تجعل الخوف من المجهول ذريعة لقبول الانسداد.

لقد أعلن بيان المنظمات الثلاث أن الإطار مفتوح أمام «القوى الحية والديمقراطية» و«الفاعلين الوطنيين المؤمنين بتونس وبمستقبلها». وهي عبارات نبيلة، لكنها قد تتحول إلى أبواب جديدة للإقصاء ما لم تضبط بمعايير واضحة.

فمن الذي يمنح شهادة الوطنية؟ ومن يقرر أن هذا الطرف ديمقراطي وذاك ليس كذلك؟ وهل من ساند 25 جويلية يفقد حقه في المشاركة؟ وهل من حكم قبلها يبقى مسؤولًا إلى الأبد عما فعلته حكومات تلك المرحلة؟ وهل يظل الإسلامي موضع اشتباه حتى يثبت ديمقراطيته، بينما يكتسب اليساري أو القومي أو الدستوري أو الحداثي حصانة لمجرد انتمائه؟

من شروط الهوية إلى شروط السلوك

القاعدة الأعدل هي الانتقال من شروط الهوية إلى شروط السلوك. فكل من يقبل التداول السلمي والتعددية وحرية الضمير والتعبير والمساواة أمام القانون واستقلال القضاء، ويرفض العنف والتكفير والتخوين واستخدام مؤسسات الدولة لإقصاء الخصوم، هو طرف ممكن في المجال الوطني المشترك.

ولا يكفي إعلان ذلك في خطاب عام، بل ينبغي أن يتحول إلى ميثاق علني يلتزم فيه كل طرف بتطبيق القواعد نفسها على خصمه حين يكون قويًا، وعلى نفسه حين يصل إلى الحكم.

أما الجرائم والفساد والانتهاكات فلا تعالج بالمساومات السياسية، بل بمسؤولية فردية أمام قضاء مستقل تتوافر فيه ضمانات المحاكمة العادلة، حتى لا تتحول المصالحة إلى إفلات من العقاب ولا تتحول المحاسبة إلى اجتثاث وانتقام.

وإلى جانب المسؤولية القضائية توجد مسؤولية سياسية وأخلاقية عن سوء التقدير والفشل وإخلاف الوعود وتبرير الانتهاكات. وهذه تعالج بالمراجعة العلنية والاعتذار وتحمل النتائج، لا بالسجن ولا بمحو التاريخ.

مراجعة الداعين إلى الحوار

والأهم أن تشمل المراجعة الداعين إلى الحوار أنفسهم. فاتحاد الشغل والرابطة وهيئة المحامين لا يجلسون فوق الطاولة لتقييم الآخرين، بل يخضعون للقواعد نفسها التي يطالبون غيرهم باحترامها.

ولا ينتقص من مصداقية هذه المنظمات أن تراجع مواقفها من 25 جويلية، أو أن تقر بأن الاستثناء، حين لا تحده مؤسسات وآجال ورقابة، يمكن أن ينتقل من وسيلة معلنة للتصحيح إلى نظام دائم للحكم.

بل إن قدرتها على مراجعة نفسها تمنحها شرعية أكبر في مطالبة الأحزاب والقوى السياسية بأن تفعل الشيء نفسه.

ولا تعني هذه المراجعة مساواة الجميع أو خلط الأخطاء السياسية بالانتهاكات. فالقواعد الديمقراطية واحدة، لكن المسؤوليات تتناسب مع حجم السلطة والقدرة على الإضرار. سلطة الدولة، بما تملكه من قانون وإدارة وقوة عمومية، ليست مساوية في مسؤوليتها لمعارضة قد تمارس الإقصاء في خطابها ولا تملك القدرة نفسها على فرضه.

الغاية ليست توزيع البراءة بالتساوي، بل بناء ذاكرة سياسية مشتركة تحفظ الفروق بين الخطأ والجريمة، وتمنع في الوقت نفسه كل طرف من تحويل تاريخه إلى صك عصمة.

توسيع الطاولة لا استبدال أصحابها

وهناك درس آخر من مبادرة 2023 يتعلق بموقع الأحزاب. فقد أعدت لجان الخبراء أوراقها بينما بقيت مشاركة القوى السياسية مؤجلة وغامضة(4). وقد يكون ذلك مفهومًا بسبب تراجع الثقة في الأحزاب، لكن أزمة سياسية لا تعالج بإقصاء السياسة من الحل.

وإذا كان الحوار سيناقش النظام السياسي والانتخابات والدستور وعلاقة السلطات، فلا يمكن دعوة الأحزاب في النهاية لتوقيع وثيقة أعدها الآخرون لها.

لكن إشراك الأحزاب لا يعني إعادة احتكار رؤسائها للحوار. المطلوب توسيع الطاولة لا استبدال أصحابها. فلا يمكن اختزال تونس في القيادات الحزبية والنقابية المقيمة داخل الدائرة نفسها في العاصمة، ثم مطالبة بقية المجتمع بالتصفيق للنتائج.

ينبغي أن يشارك السياسيون والمنظمات إلى جانب خبراء الدولة والاقتصاد والجامعة، والشباب والنساء والجهات والتونسيين بالخارج، وأصحاب المؤسسات الكبرى والصغرى، والفلاحين والعاملين في الاقتصاد الاجتماعي وغير المنظم.

ولا يكون هذا الحضور حقيقيًا بمجرد إضافة بعض الأسماء. يجب أن يبدأ المسار بلقاءات جهوية، ويفتح باب الترشح العلني، وينشر معايير الاختيار، ويضمن تمثيلًا فعليًا للنساء والشباب والجهات.

فالجهة لا يمثلها بالضرورة شخص ولد فيها ثم استقر في العاصمة، والشباب لا يمثلهم من تعينه النخب باسمهم، والمجتمع لا يختزل في المنظمات الأكثر ظهورًا في الإعلام.

الغيابات ليست تفصيلًا رمزيًا

وفي هذا السياق لا ينبغي التعامل مع غياب اتحاد الصناعة والتجارة بوصفه تفصيلًا رمزيًا. فتونس لا تستطيع معالجة أزمة الأجور بمعزل عن الإنتاج، ولا القدرة الشرائية بعيدًا عن الإنتاجية، ولا الجباية بعيدًا عن المؤسسة والاستثمار، ولا الدولة الاجتماعية بعيدًا عن الثروة التي ستمولها.

كما أن غياب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يترك فراغًا في قضايا الفقر والهشاشة والتنمية والهجرة. والمطلوب ليس إعادة تركيب رباعي قديم، وإنما بناء دائرة متوازنة تجمع الاجتماعي والحقوقي والقانوني والاقتصادي والجهوي والشبابي.

على أن توسيع المشاركة لا يعني تحويل الحوار إلى مؤتمر مفتوح بلا حدود. فالحوار يحتاج إلى دائرة واسعة للاستماع والمشاركة المجتمعية، ودائرة تمثيلية للتفاوض، ولجان فنية تعد البدائل، وأمانة مستقلة تدير المسار وتنشر أعماله.

كما ينبغي الفصل بين دور المنظمات الثلاث بوصفها راعية تمنح المبادرة ثقلها المعنوي، ودورها بوصفها أطرافًا لها مصالح ومواقف في قضايا الشغل والحقوق والقضاء. فالراعي لا ينبغي أن يكون حكمًا وخصمًا في الوقت نفسه.

أولويات الحوار وحدوده

كذلك لا ينبغي أن يحمل الحوار كل قضايا تونس دفعة واحدة. تبدأ الأولوية بضمانات عاجلة لفتح المجال العام وحماية الحقوق والحريات واستقلال القضاء والعمل السياسي والنقابي والإعلامي.

ثم يصاغ ميثاق ديمقراطي يحدد قواعد التداول والتنافس ونبذ العنف والإقصاء. ويضاف إلى ذلك برنامج اقتصادي واجتماعي استعجالي محدود وقابل للتمويل، يواجه تدهور القدرة الشرائية وأزمات الماء والدواء والخدمات والإنتاج والمالية العمومية.

أما الإصلاحات الكبرى المتعلقة بشكل النظام السياسي والدستور والنموذج التنموي والعلاقة بين المركز والجهات، فتعد لها بدائل واضحة وتترك الكلمة النهائية فيها للمواطنين عبر المؤسسات والانتخابات.

فالخطر ليس فقط أن يبقى الحوار عامًا، بل أن يعد التونسيين بما لا يستطيع الوفاء به. وكل مبادرة لا تحدد ما يدخل في اختصاصها، وما يحتاج إلى تفاوض مع الدولة، وما ينبغي أن يحسمه الناخبون، تتحول سريعًا إلى مخزن للأماني المتعارضة.

ما الذي يجعل السلطة تستمع؟

ويبقى السؤال الأصعب: ما الذي يجعل السلطة التي رفضت الحوار سابقًا تعيد النظر في موقفها؟

لا تكفي عدالة المبادرة ولا المكانة التاريخية للمنظمات، لأن السياسة تتحرك أيضًا بموازين القوى وكلفة الخيارات.

فالمطلوب ليس تهديد الدولة أو دفعها إلى الفوضى، وإنما بناء قوة مدنية سلمية تجعل تجاهل الحوار أكثر كلفة من الاستماع إليه. تنشأ هذه القوة من اتساع المسار خارج العاصمة، ومن مشاركة فئات لا تنتمي إلى المعارضة التقليدية، ومن تقديم برنامج واقعي، ومن كسب ثقة المواطنين، ومن ضغط نقابي وحقوقي منضبط، ومن فتح باب تفاوض لا يهدد استمرارية الدولة ولا يمنح أحدًا حصانة من المساءلة.

فالحوار لا يصبح وطنيًا لأن أصحابه يطلقون عليه هذه الصفة، بل حين يجد المواطن نفسه فيه، ويطمئن المختلفون إلى عدالة قواعده، وتدرك السلطة أن الانخراط فيه قد يكون طريقًا إلى الاستقرار، لا منصة لترتيب الانتقام منها أو اقتسام ما بعدها.

استقلال القرار الوطني

وهناك شرط متمم لذلك هو استقلال القرار الوطني. يجب أن تكون مصادر تمويل المسار وعلاقاته الخارجية معلنة، وأن يرفض المشاركون التمويل السياسي السري أو منح أي دولة أجنبية حق تحديد الأجندة أو اختيار المشاركين أو الاعتراض على النتائج.

لكن حماية السيادة لا تعني تجريم التضامن النقابي والحقوقي الدولي أو التعاون الفني المعلن. الفرق واضح بين الانفتاح على العالم والارتهان له: السيادة ليست قطع العلاقات، بل إبقاء القرار تونسيًا وإخضاع كل علاقة خارجية للشفافية والمساءلة.

من يحكم لاحقًا؟ ليس هذا سؤال البداية

أما السؤال عن السلطة المقبلة فينبغي تأجيله إلى حين الاتفاق على قواعدها. فإذا دخلت حسابات الرئاسة والحكومة والترشيحات والتحالفات الانتخابية إلى الإطار التنسيقي في بدايته، ماتت المبادرة قبل أن تنضج.

فتونس لا تحتاج الآن إلى تحديد من سيرث الحكم، بل إلى تحديد كيف ينبغي أن يحكم من يختاره المواطنون.

تنتهي وظيفة الهيئة التحضيرية عند إنجاز ميثاق ديمقراطي، وضمانات للحريات والتنافس، ومقترحات للإصلاح المؤسسي، وبرنامج أولي للإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي، ثم تعود الأحزاب إلى هوياتها وبرامجها وناخبيها وتتنافس. فالتفويض لا تمنحه المنظمات مهما كانت مكانتها، وإنما يمنحه الاقتراع الحر.

غير أن الوثائق لا تكتسب قيمتها بمجرد صياغتها. ينبغي نشر مشاريعها للرأي العام، وعرضها على لقاءات جهوية، وتسجيل الاعتراضات عليها، ونشر الآراء المخالفة بدل دفنها تحت إجماع مصطنع.

وبعد استكمالها يوقعها المشاركون علنًا، وتتحول إلى تعهد أمام المواطنين، وتتولى هيئة متابعة مستقلة بيان من التزم بها ومن تراجع عنها. بذلك يصبح الحوار عقدًا سياسيًا وأخلاقيًا، لا مؤتمرًا ينتهي بانفضاض الصورة العائلية.

إن الاختبار الحقيقي للمنظمات الثلاث لن يكون إصدار بيان ثان أكثر حدة، بل الإعلان عن منهج واضح يحدد من يشارك، وكيف يقع اختياره، وما جدول الأعمال، وكيف تتخذ القرارات، وما مدة المسار، وكيف تمثل الجهات والشباب والنساء، وكيف تنشر النتائج وتتحول إلى التزامات قابلة للمتابعة.

وقد يكون من الأفضل ألا تبدأ المبادرة بمؤتمر كبير، بل بلقاءات صغيرة وصعبة مع المختلفين: مع من حكم ومن عارض، ومع أنصار 25 جويلية وخصومه، ومع الإسلاميين واليساريين والدستوريين والقوميين والديمقراطيين، ومع النقابيين ورجال الأعمال والجامعيين والشباب وممثلي الجهات.

فالنجاح ليس في جمع من يتفقون أصلًا، بل في اكتشاف الضمانات التي يحتاج إليها المختلفون حتى يقبل كل منهم أن يعيش مع الآخر داخل الجمهورية نفسها.

من هيئة الغضب إلى هيئة البناء

لقد فتح بيان 3 سبتمبر نافذة ينبغي ألا نغلقها بالطريقة التي أضعنا بها فرصًا سابقة. وإذا استطاعت المنظمات الثلاث أن تضيف إلى رصيدها الأخلاقي هندسة واضحة للحوار، وتمثيلًا اجتماعيًا واسعًا،

==

تنويه تحريري: الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف أو التوجّه التحريري لمنصة «مسارات».


تفاعل مع المحتوى

ما رأيك في هذا المحتوى؟

التعليقات

أضف تعليقاً

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر